أنا وصاحب الفضيلة‏!‏
Submitted by kefaya on الأربعاء, 24/05/2006 - 01:47.
بقلم:
أحمد عبدالمُعطي حجازي
جسم المقال:

الارهاب ليس مسدسات وقنابل فقط‏,‏ لكنه ثقافة أيضا:
أنا وصاحب الفضيلة‏!‏


 


تابعت باهتمام ما نشرته الصحف خلال الاسبوعين الماضيين تعليقا علي الحوار الذي دار بيني وبين فضيلة الدكتور علي جمعة مفتي مصر في برنامج البيت بيتك‏,‏ وقد دلني ما قرأته وما سمعته علي أن حواري مع فضيلة المفتي حظي بمشاهدة واسعة‏.‏ وهذا في حد ذاته انجاز من عدة وجوه‏.‏

فقد ثبت ان الجمهور العريض ليس دائما جمهورا تافها‏.‏ وان حديثا حول الارهاب وأسبابه ودور علماء الدين في التصدي له قادر علي ان يجتذب ملايين المشاهدين وأن المصريين متدينون بطبيعتهم‏,‏ لكنهم ليسوا متطرفين‏.‏وانهم يحترمون علماء الدين بلاشك‏,‏ لكنهم يرفضون ان يتحول هؤلاء السادة الأجلاء الي سلطة دينية تنفرد بالقول‏,‏ وتطارد الكتاب والفنانين‏,‏ وتضيق عليهم الخناق‏,‏ وتحلل وحدها وتحرم‏.‏

لهذا رحب الجمهور بحواري مع فضيلة المفتي‏,‏ هذا الحوار الذي اقترحه فضيلته علي مقدمي البرنامج بعد ان استمع لما قلته في حلقة سابقة عن الارهاب‏,‏ وعن الدور الذي يجب ان يؤديه علماء الدين في التصدي له‏,‏ وعن الفتوي التي حرم فيها فضيلته اقتناء التماثيل وانتقدتها انا بشدة ورأيت فيها عنفا وتشددا لم نكن ننتظرهما من فضيلته‏.‏

وقد اتصل بي مقدمو البرنامج مشكورين‏,‏ وعرضوا علي اقتراح المفتي فرحبت به ووجدت فيه من اللباقة وسعة الصدر والرغبة في التفاهم ما يفرض علي ان استجيب‏,‏ لاسيما وقد خصني فضيلة المفتي بهذه المبادرة‏,‏ واختار ان يحاورني انا بالذات‏,‏ أو يحاور المثقفين من خلالي‏.‏ وهو حسن ظن رددت عليه بمايليق‏,‏ فلم أجعل همي في هذا اللقاء المشهود أن أسابق المفتي أو أناظره‏,‏ وانما فضلت ان أحاوره وان أجعل الحوار معه تقليدا متبعا وسابقة نؤكد فيها احترامنا لعلماء الدين باعتبارهم أصحاب اختصاص يعرفون من أمور الدين ما لا نعرف‏,‏ فبوسعهم ان يجيبونا عن أسئلتنا‏,‏ وان يجتهدوا لنا ويفتونا دون ان يفرضوا علينا أن نعمل بما يقولون‏,‏ لأنهم ليسوا سلطة دينية‏,‏ وليسوا وكلاء ولاوسطاء بيننا وبين الله‏,‏ ولأنهم يتعرضون أحيانا لمسائل تتصل بعلوم وفنون اخري لا يحسنونها كالسياسة‏,‏ والاقتصاد‏,‏ والطب‏,‏ والفنون والاداب‏,‏ فبوسعنا ان نناقش علماء الدين فيما يقولون‏,‏ خاصة في أمور الدنيا التي نعرف فيها قدر ما يعرفون وربما أكثر‏,‏ والدين يهدي للخير ويأمر بما ينفع وينهي عما يضر‏,‏ ونحن نستطيع التمييز بين الخير والشر وبين الضرر والمنفعة‏.‏

واذا كان علماء الدين يملكون النص فنحن نملك العقل‏.‏ وإذا كانوا يرجعون للسلف الصالح فنحن نرجع لروح العصر‏,‏ ونستجيب لمطالب الحياة‏,‏ وهكذا دار الحوار بيني وبين فضيلة المفتي‏,‏ استمع لي‏,‏ واستمعت له‏.‏ لم أنكر عليه حقه في أن يري مايراه‏,‏ ويعلن مايطمئن إليه‏.‏ ولم أقصر في التعبير عن احترامي له وتوقيري لمنصبه‏.‏ ولم ينكر علي حقي في ان أناقشه‏,‏ وان أعارضه‏,‏ وأن أختلف معه‏,‏ وهذا ما توقف عنده المعلقون وأشادوا به‏,‏ إلا قليلا منهم اعتبروه معركة قالوا إن المفتي كسبها‏.‏ وزاد احدهم فقال ان المفتي انتصر علي بالضربة القاضية‏!‏

ولست أريد ان أقف عند كلام من هذا النوع‏,‏ وإنما أريد ان أنفي عن الحوارـ الذي أرجو أن يتواصل ـ هذا الطابع الاستفزازي‏,‏ الذي حاول البعض أن يلصقه به‏,‏ وأضعه من جديد داخل حدوده الموضوعية الرصينة‏.‏

لقد اثرت مع فضيلة المفتي مجموعة من المسائل بدأتها بهذا المناخ السائد الذي يجد فيه الناس أنفسهم منفيين عن واقعهم‏,‏ مغتربين عن ذواتهم‏,‏ مسخرين لتحقيق مالايفهمونه ومالاينتفعون به‏,‏ مرغمين علي مواصلة العيش في أصعب الشروط المادية والمعنوية‏,‏ يسألون ولايجدون الجواب‏,‏ ويعانون ولايرون حلا أو مخرجا‏.‏

مناخ ثقيل يضعط علي الصدور‏,‏ ويكتم الأنفاس‏,‏ ويثير القلق علي الحاضر والخوف من المستقبل‏,‏ ويجعلنا متشككين مترددين نحتكم لغرائزنا‏,‏ ونستعد للدفاع عن أنفسنا في مواجهة ما تأتي به المصادفة وما يسفر عنه المجهول‏.‏ وما أسرع ما تنمو الأكاذيب‏,‏ وتفرخ الشائعات‏,‏ وتنتهك حرمة القانون‏,‏ وتعلو المصلحة الشخصية علي المصلحة العامة‏,‏ ويتراجع الشعور بالانتماء‏,‏ وينفرط عقد الأمة‏,‏ وتظهر التحزبات الضيقة‏,‏ والنعرات الطائفية‏,‏ ويدخل كل واحد شرنقته‏,‏ ويتحصن بجلده‏,‏ ويسيء الظن بكل من يختلف معه أويختلف عنه‏,‏ وفي هذا المناخ الوبيل تسقط راية الوطن‏,‏ وتروج المتاجرة بالدين‏,‏ ويرفع بعضهم الصلبان في مواجهة من يرفعون المصاحف‏.‏

إن السيوف التي يقطع بها الارهابيون الملثمون رؤوس الرهائن في التسجيلات التي تخصصت في إذاعتها بعض القنوات الفضائية‏,‏ هي السيوف التي نراها مرسومة علي زجاج السيارات عندنا‏,‏ وهي السيوف التي استخدمها المجرم الدنيء الذي هاجم المصلين في بعض كنائس الإسكندرية‏!‏

ولست أظن أن فضيلة المفتي عارضني في شيء من هذا الذي قلته عن هذا المناخ السائد‏,‏ وإنما اختلفنا في تقييم الدور الذي يؤديه علماء الدين في التصدي للإرهاب‏.‏

في اعتقادي أن هناك تقصيرا في أداء هذا الدور لابد من الإشارة إليه‏,‏ لأن الارهابيين يزعمون أنهم يجاهدون في سبيل الله‏,‏ وانهم يرفعون راية الإسلام ويعملون بما يأمرهم به‏,‏ وهم يخدعون الشباب المتعطش للأعمال البطولية بما يقولون وبما يفعلون‏,‏ فعلينا ان نفضح حقيقة هذا العنف الوحشي وأن نبرئ الإسلام من أن يكون محرضا عليه أو راضيا عنه‏.‏

الإرهابيون يأخذون الناس بالسيف‏,‏ والسيف لايصنع إلا منافقين‏,‏ أما الدين فيسكن قلوب المؤمنين‏.‏ والارهاب إذن والإسلام لايجتمعان‏.‏

غير أن الارهابيين مازالوا يتحدثون باسم الإسلام‏,‏ ومازالوا يزعمون أنهم أبناؤه وأنصاره‏,‏ ومازالوا يخدعون الشباب‏,‏ ويرتكبون جرائمهم في أنحاء العالم‏,‏ فمن يكون المقصر؟ ومن أين يأتي التقصير؟

يقول فضيلة المفتي‏:‏ علماء الدين ليسوا مقصرين‏,‏ فالأزهر موجود‏,‏ ومعاهده التي تعد بالمئات منتشرة في أنحاء البلاد‏,‏ والذين يتخرجون فيها يعدون بالملايين ويؤدون رسالتهم علي أكمل وجه‏,‏ لكنهم لايستطيعون أن يقضوا علي الارهاب‏,‏ لأن الارهاب لايعود للتطرف الديني وحده‏,‏ بل يعود لأسباب أخري لاعلاقة لها بالدين‏.‏ وقد لوحظ ان الارهابيين لم ينجحوا في تجنيد الأزهريين‏.‏

قلت له‏:‏ فماذا تقول في الشيخ عمر عبد الرحمن؟

قال‏:‏ ثم من؟

ولم أجب أنا‏,‏ وإنما أجابت الصحف التي أعلنت ان أحد الارهابيين الذين شاركوا في جرائم دهب طالب في كلية أصول الدين‏,‏ ثم إن الارهاب ليس مسدسات وقنابل فقط‏,‏ ولكنه ثقافة أيضا‏,‏ انه خطب وشعارات وفتاوي والذين يصادرون الكتب والأفلام والمسلسلات يشيعون التطرف ويمهدون الطريق أمام الذين يغتالون الكتاب ويهاجمون السياح ويفجرون الأسواق والفنادق‏.‏ والذين يمارسون الإرهاب بألسنتهم لايقلون خطرا عن الذين يمارسونه بأيديهم‏.‏

ولقد تلطفت بقدر ما استطعت‏,‏ وتجنبت كل مايمكن ان يتسبب في قطع الحوار أو إفساده‏,‏ والحوار عندي أهم من أي مكسب اخر‏,‏ فإن أصر البعض علي ان يجعلوه معركة خرجت منها مهزوما‏,‏ فهذه الهزيمة بمقاييسي أفضل من الانتصار‏,‏ غير اني أطلب من هؤلاء الذين صفقوا لهزيمتي ألا يعتبروها هزيمة للحق الذي كنت أدافع عنه‏!‏
‏***‏

في الأسبوع المقبل أستأنف الحديث عن الشعر في حياتنا‏.‏
 
الأهرام

( categories: )