- No upcoming events available
طلعت إسماعيل
إصرارا على أن القادم يجب أن يلبي طموحات التغيير:
مصر والحراك المشروع.
تبدو الصورة التي تعكسها وسائل الإعلام عما يجري في شوارع وسط القاهرة، مزعجة في دلالتها الظاهرة، فأنت امام حشود شعبية غاضبة، في مواجهة قبضة أمنية مستنفرة، واشتباك مؤلم، تعقبه عمليات اعتقال، يتم التوسع فيها يوما وراء الآخر، مع بقاء الأسباب التي تقف خلف حالة الاحتقان، غير المسبوقة في السنوات الخمس الأخيرة على الأقل قائمة.
معركة القضاة التي جاءت على خلفية اتهامات بتزوير الانتخابات البرلمانية التي جرت في أكتوبر الماضي، وان كانت المحرك والدافع وراء التحركات الأخيرة بما مثلته من تضامن فئات متنوعة مع أصحاب المشكلة، إلا أنها لا تعكس سوى جزء من الصورة التي دفعت بهذه الحشود إلى الساحة.
بعد أن اعتقد البعض أن الحكومة جادة في عملية الإصلاح السياسي فاكتشفوا تسويفا ومماطلة، وصل إلى حد التراجع عن وعود قاطعة لا تحتمل اللبس، حول الديمقراطية ومنح المزيد من الحريات.
التضامن مع القضاة، عنوان اختزل تفريعات جانبية تصب جميعها في نهر واحد، تجري مياهه المتدفقة، نحو التغيير الذي بات مطلبا يصعب تجاهله، فمن الصحافيين المتمسكين بحقهم في قانون يمنع عنهم سيف الحبس في قضايا النشر، إلى أساتذة الجامعات المطالبين باستقلال جامعاتهم.
وعدم تدخل الأمن في شؤونهم، ومرورا بعمال يخشون غدهم بعد بيع مصانعهم، ووقوعهم فريسة أمام أصحاب الأعمال، وليس انتهاء بنقابات مهنية تدعو إلى رفع عصا الحراسة عن بعضها، تمضي قافلة الغضب على أوضاع طال انتظار الخروج من حلقتها المفرغة.
نحن إذن إزاء مشهد مضطرب، يزيد من ضبابيته حالة العناد الحكومي التي تعقد المشكلة أكثر من السعي إلى حلها وتجاوز تداعياتها المجهولة العواقب، في ظل تربص خارجي ليس بمصر وحدها ولكن بالمنطقة ككل.
وعلى ذكر العامل الخارجي، بدت ردود الأفعال الأميركية، التي عول عليها دعاة الاستفادة من ضغوط الخارج للإسراع بعملية الإصلاح، اقل مما هو متوقع.
بل أن البعض، ذهب إلى تفسير القسوة الحكومية في التعامل مع التظاهرات، على أنها انعكاس لتحليل مفاده أن واشنطن ليست معنية كثيرا بما يدور في الشارع المصري نظرا لانشغالها بقضايا أكثر تعقيدا، ومن بينها ما يجرى في العراق.
هذا لا يمنع خروج بعض التصريحات الأميركية حول الشعور بالقلق مما يجري وانه يتناقض مع وعود الحكومة المصرية بشأن الإصلاح السياسي، غير أن البعض يرى أن مثل هذه التصريحات ما هي إلا ذرا للرماد في العيون، ولا تتعدى محو العتب، أمام الرأي العام الأميركي أولا وبعض المنظمات الدولية المعنية بحقوق الإنسان.
وبعيدا عن الموقف الأميركي، تظل أطراف المعادلة الرئيسية في حالة شد وجذب، لا تبدو في الأفق المنظور بوادر انفراجة، يمكن أن تخرج الجميع من دائرة الاحتكام إلى صوت العقل، وإدراك خطورة اللعب بكرة الثلج التي تتدحرج من قمة التل.
قلنا في مواضيع سابقة ان إدارة الأزمة تلو الأخرى، تبدو في حدها الأدنى، ان لم تكن القواعد المتعارف عليها غائبة، ورأينا تخبطا يصل إلى حد العجز في بعض الأحيان عن الإمساك بخيوط اللعبة من أطرافها الصحيحة، وهو ما فاقم من مشكلات كانت حلولها في المهد اقل تكلفة، وأيسر تعاملا، غير أن الواقع جاء بعكس ما كان مطلوبا، وربما تكون قضية القضاة المثال الناصع على ذلك.
لقد لاحت في أفق هذه المشكلة و في أكثر من مناسبة مفاتيح للحل تحفظ للجميع ماء الوجه، غير أن النتيجة سارت على نحو زاد الطين بلة، بدلا من فك العقد، وكأننا نعود في كل مرة إلى المربع الأول.
ورغم هذه الصورة القاتمة، فان الحراك السياسي الذي يموج به الشارع المصري حاليا، لا يمكن تجاهل إيجابياته، على أكثر من صعيد، فبعد أن ظن البعض انه لا أمل في الإصلاح، إذا بنا نشاهد إصرارا على أن القادم لابد وان يكون ملبيا لطموحات مشروعة في التغيير.
البيان
- 918 reads
