- No upcoming events available
مدونة طق حنك
وجوه جديدة تهتف..باطل..دوم دوم دوم..باطل.
صباح الثلاثاء 27 سبتمبر. "الرئيس المنتخب" يحلف اليمين أمام مجلس الشعب: "أقسم بالله العظيم أن أحافظ مخلصا علي النظام الجمهوري، وأن أحترم الدستور والقانون، وأن أرعى مصالح الشعب رعاية كاملة، وأن أحافظ علي استقلال الوطن، وسلامة أراضيه".
ها!.
نواب المعارضة لا يقفون عند دخول الرئيس ولا يصفقون بعد نهاية خطابه. نواب الاخوان يقفون و يصفقون.
أغ!.
يدعو للوحدة و يعد بالاصلاح و الديموقراطية. يقول في حواره المنشور بروزا اليومية أنه لن يغير المادة 76 من جديد و أن مسيرة الاصلاح مستمرة.
لا جديد.
مساء الثلاثاء. أصل الى ميدان طلعت حرب مبكراً. الباشوات اللواءات و الرتب الأخرى من الشرطة في ملابسهم البيضاء يجلسون على كراسي على الرصيف. بعض المخبرين و بوكس. أقرر أن أدخل جروبي حتى يحين موعد المظاهرة. أتذكر النقاش الحاد الذي دار حول عمال الاسبستوس و مقاطعة جروبي و الهجوم على المرفهين الأوغاد مرتادي جروبي. أفكر :" أن أدخله مرة واحدة لا يجعلني من معسكر الأشرار !". في المدخل ضابط أمن مركزي بملابسه السوداء و حوله جنوده يجلسون. أدخل أكثر. أجلس و أتطلع حولي. أتنبه لأربعة رجال يضعون لاسلكي أمامهم على الطاولة. أفكر: "أمن دولة". شيئا فشيئا أكتشف أن مجموعات الرجال مرتدي الملابس المدنية جامدي الملامح باردي النظرات تملأ المكان كله. المواطنون العاديون هم الأقلية. ضباط يدخلون و يخرجون من دورة المياه. جنود يدخلون للحصول على مياه. أشعر أنني أجلس في قسم شرطة. أطلب عصيرا و أشربه و أنا أشعر بالغثيان. أقوم عند الساعة السادسة.أعبر للجانب الآخر. بداية تجمع المظاهرة. بداية التجمع أكبر من المظاهرات التقليدية ذات الكردون و الأمن المركزي.
لم أحضر مظاهرتي 7 سبتمبر (الانتخابات) و9 سبتمبر (اعلان النتيجة) وهما المظاهرتان اللتان اختفى فيهما ألوف الأمن المركزي بعرباتهم وحصارهم و حواجزهم الحديدية وتحولت المظاهرة الى مسيرة طافت وسط البلد وقفز فيهما العدد من عشرات و مئات الى ألوف.
مئات يتجمعون في طلعت حرب. بداية التجمع أكبر من أي من مظاهرات ما قبل الانتخابات التقليدية. لافتات عديدة. أعلام صغيرة تحمل كلمة باطل. بالونات صفراء. ملصقات على الأيدي و الرؤوس و الملابس. لافتات بلاستيكية. لافتات ورقية. لافتات قماشية. يبدأ الهتاف. هتافات كفاية المعتادة و ان كان التركيز على : باطل!
يذكرون للمرة الأولى أحمد عز ومحمد كمال ، رجلا الحرس الجديد في الحزب الحاكم.
خلوه يحلف مية يمين
مش هيكمل ست سنين!
يحلفون اليمين الخاص بهم: " نقسم بالله العظيم ألا نورث أو نستعبد بعد اليوم، وأن نحافظ على استقلال القرار الوطني، وأن لا تنهب ثروة مصر، وأن نظل مدافعين عن الحرية والكرامة الوطنية وعدم الركوع أمام الولايات المتحدة، وعدم التطبيع مع الصهاينة، والله على ما نقول شهيد"
يعلن كمال خليل عن خط سير المظاهرة وعن حصر الهتاف أثناء المسيرة بهتافي باطل و كفايه.
البعض يرفع العدد الأول من جريدة الكرامة الذي يحمل مانشيت: " نقسم بالله العظيم لن يرثنا جمال مبارك".
دوم دوم دوم!
وصلت الطبلة! فكرة عمرو غربية و تنفيذ شباب من أجل التغيير.
دوم دوم دوم دوم! باطل!
دوم دوم دوم دوم! حسني!
دوم دوم دوم دوم! باطل!
تبدأ المسيرة في شارع قصر النيل. يمتلأ الشارع بالمتظاهرين. أقدرهم بما يزيد عن الألفين. جو من الفرح و الحماس. تصفيق وهتاف وقرع على الطبل. العديد من الشباب يستخدمون صفارات للتصفير مع كل قرعة طبل. والبعض يضع أصابعه في فمه ويصفر و هو يتمايل و يتقافز. الطبل والتصفير ينظمان الهتاف. لا أصدق الأجواء الاحتفالية بعد أن تعودت على كآبة الكردونات والعصر. أشعر بالانتشاء. أصفق وأهتف وأقفز وأضرب الأرض بقدمي مع نغمة الطبول. أشير بابهامي للأسفل ، ألوح بقبضتي، أصنع علامة النصر.
دوم دوم دوم دوم! باطل!
لا ضرورة هنا لذكر الكلمة المملة التي اعتدت ذكرها عند وصفي المظاهرات السابقة: " وجوه المظاهرات التقليدية". أغلب الوجوه جديدة. شباب أصغر من عشرين عاما. فتيان و فتيات. أمهات في منتصف العمر. رجال مسنون. سيدات مسنة. رجال في منتصف العمر. البعض يرتدي الملابس البلدية. منقبات. محجبات. سافرات. عائلات كاملة. أب يصطحب أطفاله. أم و ابنتها. أشقاء. شقيقات. أرغب في احتضانهم جميعا .
دوم دوم دوم دوم! باطل!
أفرح عندما أرى أن المكون الرئسي للمظاهرة هم الشباب والشابات الذين أراهم للمرة الأولى. مئات من الفتيان والفتيات كالورد. متحمسون للغاية. فتاة محجبة تطارد متظاهرا يحمل لافتة مطوية لكي تحملها . فتى لا يمكن أن يكون أكبر من 17 عاما يقود الهتاف حتى ينبح صوته. صديقتان شابتان تمشيان سويا، تجرب احداهما أن تهتِّف ، فتقول بصوت منخفض: يسقط يسقط حسني مبارك . أحرص على أن أردد خلفها مبتسما لها في تشجيع.
دوم دوم دوم دوم! باطل!
وجهي يحمل ابتسامة بلهاء، كلما قابلت شخصا أعرفه أسأله: " جم منين كل دول! جم منين!".
يقول لي من حضروا مظاهرتي 7 و 9 سبتمبر أن هذه المظاهرة أصغر منهما حيث وصل العدد فيهما الى ما يقارب الخمسة آلاف. أرد: "اخرس! دي أحسن مظاهرة شفتها في حياتي!"
دوم دوم دوم دوم! باطل!
يا دي الزفت و يا دي الطين! لسة هيحكم ست سنين!
من شارع قصر النيل الى ميدان مصطفى كامل. توقف جديد لاعادة حلف اليمين و اعلان المطالب. المظاهرة تنقسم لمظاهرتين تقريبا نصف يمشي سريعا في المقدمة و نصف متباطئ في الخلف. يبدأ كل قسم في ترديد الهتافات.
ياللعار! ياللعار! مصر بيحكمها السمسار!
رجل يلبس فرخ ورق كامل يلف به جسمه وعدَّد عليه سلطات رئيس الجمهورية المطلقة. رجل آخر يلف رأسه وجسمه ببطاقات ابداء الرأي في الانتخابات الرئاسية محاطة بكلمة باطل. صورة كبيرة للرئيس تتوقف المظاهرة ويشير المتظاهرون باتجاهها و:
الحرامي أهو! الحرامي أهو! الحرامي أهو!
شارع عماد الدين. المحلات بعضها مغلق. الأرصفة مليئة بالمشاهدين طوال سير المظاهرة. يشاهدون في اهتمام. أسمع شابا يقول لفتاته: " اوعي يعتقلونا يا منى" خائفا من وقوفه للفرجة على المظاهرة. شاب يقول للمتظاهرين: " يعني مستنيينه لحد ما حلف اليمين؟ " فيجذبه أصدقاؤه ويعنفونه لكلامه مع المتظاهرين. شباب من أجل التغيير يمدون حبلا لتطويق المظاهرة محاولين فتح حارة لمرور السيارات. طوال المظاهرة يسير خلف المظاهرة وبجانبها الباشوات لواءات الشرطة ورجال أمن الدولة.
لن يحكمنا ابن سوزان!
لن يحكمنا حسني مبارك!
لن يحكمنا البيت الأبيض!
شارع 26 يوليو وطلعت حرب من جديد ، يستمر الهتاف ويواجه حاملو اللافتات المواطنين الواقفين للفرجة. يوزعون البيانات ويلقون داخل شبابيك السيارات بالملصقات. صوتي انبحًّ تماما. يداي تحمران ولا أشعر بهما مع كل التصفيق الذي صفقته. تؤلمني أذناي ورقبتي وأشعر أن رأسي وبطني ستنفجران كلما هتفت من جديد. راكبو الأوتوبيسات يحيون المتظاهرين.
كفاية!
و احنا مش بنبيع في مصر!
يسقط يسقط حسني مبارك
شارع عبد الخالق ثروت. تمشي المظاهرة عكس سير المرور للمرة الأولى. يمشي المتظاهرون فرادى وسط السيارات. سيدة في سيارة ترفع سبابتها لأعلى و تحيي المتظاهرين في سعادة.
عند نادي القضاة يصرخ متظاهر "مش عايزينكم يا قضاة!" يجذبه المحيطون به و يهتفون للقضاة: " احنا معاكم يا قضاة" فيهتف في غضب: "بتهتفولهم ليه ؟ بتهتفولهم ليه بعد ما أشرفوا على التزوير؟". نقابة الصحفيين. من وصل أولا وقف على السلالم. السلالم تفيض بالمتظاهرين. لا مكان على السلالم ، فيملؤ بقيتهم شارع عبد الخالق ثروت حول النقابة. " مش ممكن! جم منين كل دول؟ و كلهم شباب! شباب عاديين جدا!".
أقول لمصطفى في سعادة: "احنا كتير قوي!" و بصوت مبحوح أغني : "الشارع لنا ، لنا لوحدنا".
بيان واعلان مطالب، يستمر الهتاف وقرع الطبول قليلا. يبدأ العدد في التناقص. اعلان عن اجتماع تأسيسي لاتحاد العاطلين المصريين في طنطا. وعن وقفة احتجاجية لجماعة 5 سبتمبر.
انسوا التحليل السابق القديم. في شهر واحد أصبح تاريخا.
و.. باطل ونص!
( الأغنية من اعداد محمود توفيق)
.
- 1909 reads
