نظيف..يُغازل أمريكا و يُهين شعبه
Submitted by editor on الأربعاء, 18/05/2005 - 23:00.

مجدي سلامة

نظيف يهين شعب مصر
رئيس الوزراء يتهم المصريين بعدم »النضج السياسي«!
د. أحمد نظيف
 
الواضح أن الدكتور نظيف رئيس وزراء مصر لم يقرأ التاريخ المصري جيداً، ولا يعرف قيمة أو قدر الشعب الذي يتولي أمره. الدكتور »نظيف« قال بالحرف الواحد »إن المصريين لم ينضجوا سياسياً ويتعين أن ينضح الشعب قبل إقامة نظام ديمقراطي كامل مثل ذلك الموجود في الولايات المتحدة«. وهكذا بدا واضحاً أن رئيس وزراء مصر لا يعجبه الشعب المصري، ويراه غير ناضج ولا يستحق من الحياة أكثر مما هو فيه، وأنه ـ أي الشعب ـ يتحمل وحده مسئولية ما تعاني منه مصر من ديكتاتورية واستبداد سياسي، وتخلف اقتصادي.
والسؤال لماذا قال رئيس وزراء مصر هذا الكلام الغريب؟.. ولمصلحة من؟..
طوال سنوات توليه وزارة الاتصالات، وعلي مدي الشهور العشرة التي تولي خلالها رئاسة مجلس الوزراء، كان الدكتور أحمد نظيف يتحاشي الحديث في الأمور السياسية، مكتفياً بالتصريحات التي تدور في فلك الأعمال التنفيذية للحكومة.. وبرر البعض موقفه هذا، بأن الرجل يقر ويعترف بأن مهمته الأساسية هي محاولة إنقاذ الاقتصاد المصري الذي دخل في غيبوبة الموت منذ سنوات.. أما السياسة والكلام فيها فإنه يتركها لغيره، من أهل السياسة في الحزب الوطني، وتحديداً لقيادات لجنة السياسات، وهي اللجنة التي يجلس رئيس الوزراء في اجتماعاتها ويحفظ قراراتها عن ظهر قلب وينفذها دون مناقشة، أو حتي مجرد التفكير في الاعتراض.
وعلي غير العادة خرج الدكتور نظيف مؤخراً عن صمته السياسي وأطلق لنفسه هذا الأسبوع العنان وتحدث عن موضوعات سياسية، فإذا به كمن سكت دهراً ثم نطق كفراً.
ففي تصرف غريب وغير مبرر منه راح رئيس وزراء مصر يهاجم الشعب المصري ويطلق سهامه علي الجميع، ويتهم المصريين بأفظع التهم.. وقال في تصريحات نقلتها وكالة »رويترز« للأنباء: »ان الشعب المصري غير ناضج سياسياً، وأن عليه أن ينضج قبل إقامة نظام ديمقراطي كامل مثل ذلك الموجود في الولايات المتحدة«!!.
هذا الكلام يعتبر اعترافاً من رئيس الوزراء بأن الديمقراطية في مصر منقوصة وغير كاملة، والأخطر من هذا الاعتراف، هو أن ذات الكلام يكشف ـ وربما لأول مرة ـ أن رئيس وزراء مصر ديكتاتوري الفكر واستبدادي النزعة، فالقول بأن المجتمع المصري غير ناضج سياسياً يعني أن الدكتور »نظيف« يؤمن بأن المصريين لا يستحقون أن يعيشوا في ديمقراطية حقيقية، لأنهم غير مستعدين لذلك، انطلاقاً من أنهم غير ناضجين، وذات الكلام هو الشماعة التي كان الطغاة والمستبدون علي مدي التاريخ يلجأون إليها في تبريرهم لخنق الناس وحرمانهم من الحرية والديمقراطية، فكل الطغاة كانوا يبررون جرائمهم في حق شعوبهم بأن الشعوب غير ناضجة، وهو نفس ما قاله الدكتور »نظيف« منذ أيام!.
عاصفة
قول رئيس الوزراء ان المصريين شعب غير ناضج سياسياً أثار عاصفة من علامات الاستفهام.. فهل يري الدكتور »نظيف« المصريين شعباً طفولياً.. أم شعباً طائشاً؟ أم مجنوناً لا يعقل؟!.. ثم ما الذي أجبره أن يكون رئيساً لوزراء شعب غير ناضج؟!، وهل عدم النضج قاصر فقط علي الشعب أم أنه آفة يعاني منها كبار المسئولين الذين يتولون أمرنا أيضاً؟!.

كلام غريب
للأسف لم يكشف الدكتور نظيف عن ملامح النضج السياسي ولم يوضح كيف ينضج المجتمع سياسياً، ولم يقل لنا نحن البسطاء من المسئول عن عدم نضج الشعب المصري، وهل يا تري الشعوب تنضج سياسياً »كده من نفسها« أم أن النضج محصلة لإطلاق الحريات وسيادة القانون والديمقراطية..؟
وبعيداً عن كل ذلك فإن قول رئيس الوزراء ان الشعب المصري غير ناضج سياسياً هو بكل المقاييس كلام غريب، وصدوره من شخص في حجم ومنصب الدكتور نظيف أمر أكثر غرابة، فالمعروف أن المصريين، علي مدي التاريخ الإنساني كانوا في مقدمة الشعوب الناضجة، فمصر عرفت الحكومات والشعب المصري أقام دولته وحضارته فيما كانت شعوب الأرض كلها مازالت تعيش كقطعان الحيوانات البرية في الغابات.
ولو أن الدكتور نظيف قرأ تاريخ مصر جيداً لأدرك أن اتهام الشعب المصري بأنه غير ناضج سياسياً هو قول يأتيه الباطل من بين يديه ومن خلفه ولعرف أن الشعب المصري هو أول من أقام حضارة، وهو أول الشعوب التي ثارت في وجه الاستبداد والظلم..
وإذا كان د. نظيف لا يهوي قراءة التاريخ القديم فيكفيه قراءة تاريخ ثورة ،1919 وهي الثورة الأعظم في تاريخ العالم الحديث بشهادة زعيم الهند المهاتما غاندي، الذي قال: »تعلمت كثيراً من سعد زغلول ومن الشعب المصري الثائر عام 1919«.
فهل شعب تمتد حضارته 7 آلاف عام يصح أن يقال عنه الآن انه غير ناضج سياسياً؟.. ثم ما هي ملامح عدم النضج التي اكتشف الدكتور نظيف وجودها في الشعب المصري؟.

الجلادون
المنطق يقول إنه لو أعمل رئيس وزراء مصر عقله ولو قليلاً، لأدرك أن الشعب المصري بريء من حكاية عدم النضج التي يتهمه بها، وأن هذه الصفة متأصلة في نظام الحكم وفي الحكومات التي ابتلانا بها الله منذ ما يزيد علي نصف قرن، وعلي مدي خمسة عقود متصلة يحكمنا نظام يكمم أفواه الشعب، ويجلد معارضيه، ويقتلهم ان شاء ويفتح لمنافقيه خزائن البلاد، ويطارد الأحرار ويعتقلهم ويشردهم وأحال النظام حياة المصريين جميعاً إلي جحيم وفرض عليهم أن يعيشوا في ظل قانون الطوارئ الذي يصادر كل الحقوق الإنسانية، لمدة 48 عاماً خلال الخمسين سنة الأخيرة، منها 24 عاماً متصلة، فكيف والحال هكذا يعبر الشعب عن نضجه السياسي؟.
إننا نتساءل: كيف يعبر الشعب عن نفسه وهو يري في مصر 19 حزباً سياسياً علي رأسها حزب واحد مهيمن والثمانية عشر حزباً الأخري غير مسموح لأعضائها بالاجتماع مع الجماهير حتي ولو في »مقهي« أو في حارة أو أي مكان مفتوح؟!.
كيف يعبر الشعب عن نفسه وهو علي مدي نصف قرن يذهب إلي صناديق الانتخاب فيحرم من الوصول إليها، وإذا وصل تزور إرادته ويفرض عليه نواب لا يعرفهم ولا يثق بهم.
كيف يعبر الشعب المصري عن نضجه السياسي وهو يري الأموات والمهاجرين يشاركونه الإدلاء بأصواتهم في الانتخابات، ويفاجأ بين الحين والآخر أن بعض نواب الحزب الوطني الذين كانوا ملء السمع والبصر، ليسوا في الحقيقة سوي سماسرة موت، ومهربي آثار وتجار سلاح، ومخدرات، ومحترفي سهرات حمراء ومطعون في صحة عضويتهم بقرار من محكمة النقض.
كيف يعبر الشعب عن نضجه السياسي، بينما أكثر من نصفه لا يجد قوت يومه، والباقي إما يعيش بالكاد أو مستور الحال، علي أحسن الأحوال، بينما الوزراء والكبار يعيشون حياة رفاهية تفوق حياة السلاطين والأمراء.
والمعني باختصار أن حالة الانفصال التام والواضح بين الشعب المصري وبين النظام الحاكم وبطانته، لم تكن أبداً بسبب عدم النضج السياسي للشعب، إنما هي في الحقيقة نوع من العصيان المدني الصامت، حتي أصبحت هناك دولتان: دولة للشعب، وأخري للحكومة وأهل كل منهما يسير حياته كما يحلو له، ولا يقيم وزناً ولا قيمة للآخر.
وهذه الحالة الخطيرة سببها سياسة القهر والبطش والديكتاتورية التي يتبعها النظام الحاكم منذ ما يزيد علي نصف قرن.

مغازلة واشنطن
ولعل السؤال الذي يطرح نفسه هنا أيضاً: ما الذي جعل الدكتور »نظيف« يثير مثل هذه التصريحات الآن؟!.. ولماذا يهين المصريين بهذا الشكل؟.. ولماذا الآن بالذات؟.. ولمصلحة من؟.
الحقيقة أن الإجابة علي هذه الأسئلة لا تحتاج لبحث طويل أو لتفكير عميق، فقراءة سريعة لخريطة الأحداث في مصر الآن تكشف وبوضوح أسرار الإهانة التي وجهها »نظيف« لكل المصريين، والمؤكد أن رئيس وزراء مصر قال ما قاله لكي يوجه رسالة محددة المعني للإدارة الأمريكية، خلال زيارته الحالية لواشنطن، هذه الرسالة تقول إن الشعب المصري غير مستعد الآن لكي يعيش في ظل ديمقراطية كاملة، وأنه ليس في الإمكان أبدع مما هو كائن بالفعل، لأن المصريين شعب غير ناضج، أي أن المشكلة في الشعب المصري نفسه وليس في النظام الحاكم!!.. تلك هي الرسالة التي يحاول »نظيف« الآن إقناع الإدارة الأمريكية بها!!.. أملاً في الحصول علي وعد بأن تخفف واشنطن من ضغوطها علي النظام الحاكم في مصر، وتتوقف، ولو فترة عن حثه ومطالبته بضرورة الإسراع في تحقيق الإصلاح السياسي بمصر!!.
وقد اعترف »نظيف« بهذا الأمر حينما قال في تصريحات صحفية »يتعين أن نحصل علي فرصة لتطوير نظامنا السياسي«.. ولم يوضح رئيس وزراء مصر ممن يطلب هذه الفرصة، إلا أن ما قاله بعد ذلك يؤكد أن رئيس وزراء مصر يطلب أن تمنحه واشنطن فرصة لتطوير نظامنا السياسي.. حيث تابع تصريحاته قائلاً: »نحن نتفق مع الولايات المتحدة علي هدف اجراء انتخابات حرة ونزيهة وهذه هي الرسالة المهمة التي أحملها إلي واشنطن«، وأضاف: نحن سنكون هناك ـ يقصد في واشنطن ـ كي نوضح أين نقف الآن وأعتقد أن بإمكاننا أن نعرض موقفاً قوياً!.
كلام الدكتور نظيف يثير شكوكاً مخيفة حول حقيقة العلاقة بين القاهرة وواشنطن، فعندما يتطوع رئيس وزراء مصر ليهين شعب مصر ويصفه بأنه غير ناضج، أملاً في نيل رضا واشنطن أو طمعاً في الحصول علي وعد من الإدارة الأمريكية بتخفيف ضغوطها علي النظام الحاكم في مصر، فالأمر يثير الريبة، خاصة أنه يعيد إلي الأذهان حكايات ولاة مصر الذين كانوا يدينون بالولاء للباب العالي في الآستانة في عهد الاحتلال العثماني لمصر، بينما لم يكن الشعب يمثل لهؤلاء الولاة أية أهمية أو قيمة!!.

خلط الأوراق
لم يكتف »نظيف« بإهانة شعب مصر أملاً في استعطاف الإدارة الأمريكية، ولكنه راح يخلط الأوراق بشكل غريب، لعله يقنع واشنطن أن المصريين لا يستحقون أكثر مما هم فيه، وذكر رئيس الوزراء أن مصر بدأت إصلاحاً سياسياً منذ 30 عاماً فقط بينما الإصلاح السياسي بدأ في أمريكا منذ 200 عام، وأضاف: »لا أعتقد أن 30 عاماً فترة طويلة من الوقت في حياة الأمم، فالتقدم السياسي لا يحدث بشكل متواصل«.
خلط الأوراق واضح تماماً في كلام الدكتور »نظيف«، فإذا كان رئيس وزراء مصر يريد أن يقول إن الديمقراطية التي تعيشها أمريكا هي محصلة 200 سنة من الإصلاح السياسي، بينما عمر الإصلاح في مصر 30 عاماً، فهذا الكلام مغالطة واضحة، لأنه إذا كان عمر الشعب الأمريكي 200 عام، فإن عمر الشعب المصري 7 آلاف سنة وليس 30 عاماً فقط كما يقول نظيف.
أما القول بأن 30 عاماً فترة ليست طويلة في حياة الأمم فهو قول يكشف أن الدكتور نظيف لا يقرأ التاريخ، ولا يعرف أشياء كثيرة مما يحدث في العالم الآن، فلو قرأ رئيس الوزراء التاريخ لعلم أن محمد علي باشا نجح في أقل من 25 عاماً في أن ينقل مصر من مصاف الدول المعدمة إلي امبراطورية متسعة تمتد من شمال سوريا حتي جنوب السودان.
ولو يعلم »نظيف« ما يدور حولنا، لعرف أن الثلاثين عاماً التي يقلل من شأنها كانت فترة كافية جداً لكي تحقق دول هنا وهناك معجزات اقتصادية وسياسية، هل سمع الدكتور نظيف عن عبقري اسمه »مهاتير محمد«؟ لقد نجح هذا الرجل في خلال 22 عاماً فقط في أن يحول ماليزيا من دولة معدمة عانت لسنوات طويلة من صراع طائفي وعرقي خطير، إلي دولة متقدمة صناعياً وتكنولوجياً حتي أصبحت نمراً اقتصادياً يحسب لها ألف حساب.
ولو أن »نظيف« يعرف شخصاً اسمه د. مارك لار لكان قد أدرك أن الثلاثين عاماً فترة طويلة جداً في عمر الأمم فمارك نجح خلال عامين فقط يعني 24 شهراً في أن ينقل استونيا من دولة تعاني عجزاً مزمناً في موازنتها العامة لا يقل عن 50% سنوياً، بخلاف انتشار الفقر والتضخم المخيف حتي أصبحت علي يد »مارك لار« رئيس الوزراء دولة قوية، وانضمت إلي الاتحاد الأوروبي، حدث هذا كله خلال عامين فقط.. أما كيف حدثت هذه المعجزة فيقول مارك لار كانت أول خطوة هي محاربة الفساد، في الجهاز الإداري للدولة وتخفيض عدد الوزراء من 22 إلي 15 فقط وتعديل القوانين وإصلاح النظام القضائي، فبدون العدالة لا يمكن أن تعود الثقة للشعب، وببسيطة وشفافية وضعنا الحقيقة أمام الشعب.. وفي عامين فقط تجاوزنا كل أزماتنا.
فهل بعد هذا الكلام يمكن أن يقال ان 30 عاماً فترة ليست طويلة يا دكتور نظيف؟!.
الوفد
( categories: )