كلمات عن زيارة أوباما
Submitted by EDITOR1 on السبت, 13/06/2009 - 13:40.

بقلم / ابراهيم البدراوي

تمت زيارة أوباما لمصر ، بكل ما سبقها وصاحبها ولحقها من هستيريا الترحيب والمديح والعرفان المسبق بالجميل !! والتبشير الفارغ بعصر جديد رائع .

أشارت كل الشواهد بأنه تم الاعداد بدقة لكل تفاصيل الزيارة ( حتى الصغيرة منها ) بهدف تجميل وجه أمريكا ، ولكن كما نقول في مصر " ايش تعمل الماشطة في الوش العكر " . ولم يستطع كل ذلك الجهد أن يحقق الهدف .

الأبرز في سياق هذه الزيارة ( التي أكدت ما كان قائما قبلها وزيادة ) هو الاجراءات الأمنية التي لم تشهد مصر مثيلا لها في السابق ، وصولا الى اخلاء كثير من الشوارع والميادين من الناس. ويتوازى مع ذلك حشد أكثر من ألفين من النخبة السياسية الحاكمة ورجال الأعمال والأحزاب والقوى السياسية الشرعية وغير الشرعية وجماعات المجتمع المدني المتمولة والمثقفين والبلوماسيين الأجانب والصحفيين  ورجال الدين... الخ ، في قاعة الاحتفالات الكبرى بجامعة القاهرة لسماع أوباما والتصفيق له .

في ليلة الزيارة . قررنا في حركة كفاية ( تضم أطيافا واسعة من خارج الأحزاب الشرعية ) القيام باعتصام احتجاجي في ميدان التحرير لليلة كاملة . حوصر البعض قبل وصولهم الى الميدان بقوات أمنية هائلة غالبيتها من فرق الكاراتيه التي لا ترتدي ملابس رسمية وتم القبض على الدكتور يحيى القزاز الأستاذ بالجامعة لعدة ساعات . وحوصر من تمكنوا من الوصول الى الميدان مبكرا وخيروا بين الاعتقال أو فض الاعتصام . وتم اخلاء الميدان من الناس .

دلالة واضحة بالنسبة لفض الاعتصام . وهى حالة الرعب والقلق التي تعتري السلطة الحاكمة . وادراك حقيقة أنه لا ترحيب شعبي سواء بالضيف أو المضيف ، وذلك بعكس مرحلة سابقة كانت مواكب الرئيس جمال عبد الناصر مع ضيوفه وضيوف الشعب المصري لا تنقطع ، والسيارات المكشوفة وحولها الملايين من الناس ترحب بالضيوف ( من خروشوف الى سيكوتوري – ومن سوكارنو الى بيكونين رئيس فنلندا ) قبل النكسة وبعدها . لكن الزيارات الآن تتم بشكل شبه سري. فاذا كان كلا من الضيف والمضيف مكروه من الشعب  بما تطلب عمليات التأمين الهائلة. فلماذا يتشبث المضيف بكرسي الرئاسة ويسعى لتوريثه لابنه ، ولماذا أتانا الضيف المكروه ؟

استهدفت الزيارة كما أعلن عنها مخاطبة المسلمين . ولذا تضمن برنامجها زيارة أحد المعالم الاسلامية . لكن المدهش كان تحديد مسجد من العصر المملوكي أسسه أحد سلاطينهم الذي لم تكن له أي بصمات واضحة في التاريخ المصري . وكان الأولى حسب الهدف المنشود زيارة مسجد الحسين أو السيدة زينب ( رغم أننا لا نوافق على أن يدنسها هذا الزائر ) . وكان هناك الأزهر ( الذي حضر شيخه الخطاب ) ومسجد السلطان الظاهر بيبرس وقلعة صلاح الدين التي يعلوها مسجد هو تحفة معمارية  وغيرها .

دلالة أخرى واضحة بالنسبة لاختيار المعلم الاسلامي . تكمن في أن المعالم الهامة جدا والمحترمة جدا لدى المصريين التي تجنبها أوباما تشير الى رموز اسلامية  من ذوي التاريخ المجيد في مواجهة الظلم والطغيان ، أو مقاومة الغزوات ، ولذا فان  هذه الرموز تتناقض مع طبيعة الزائر كرمز للغزاة وللظلم والطغيان ، ومن ثم كانت الزيارة لمسجد ( له قداسته واحترامه بالطبع ) ولكن من شيده مملوك ليست له أي مأثرة مذكورة . غير أن ما نتذكره هو قيام  السادات بدفن الطاغية العميل " محمد رضا بهلوي " بهذا المسجد بعد أن أطاحت به الثورة الايرانية حيث حل وهلك ضيفا على السادات .  وهنا يتضح المغزى وراء هذا الأمر.

لم يعد خطاب أوباما بحاجة الى تعليق بعد أن تناوله المئات بالتقييم والنقد ، حيث يعكس بوضوح الموقف الأمريكي الذي لم يطرأ عليه أي تغيير . لكن الملفت هو حالة الاحباط التي أصابت منظروا الفئات الوسطى الاصلاحيين الذين كانوا يحلمون بأن الخطاب سوف يعطيهم  الامكانية للترويج للمشروع الأمريكي والدفاع عن الرأسمالية المحتضرة بأساليبهم الملتوية والمخادعة ، وبالتالي فقد أعلنوا أن الخطاب جاء " مخيبا للآمال " في حين أن أبواق وغلمان وقيادات الطبقة الحاكمة وسلطتها ادعوا بدون حياء أو خجل احتوائه على ايجابيات هائلة !!

لكننا نقول للطرفين أن أوباما قد أوضح بجلاء لا حدود له ، ومن فوق منبر جامعة القاهرة انحيازه المطلق للعدو الصهيوني ، وعدائه المطلق للشعب الفلسطيني ولكل الشعوب العربية والاسلامية ، وأكد فور مغادرته القاهرة هذا الأمر في الزيارة غير المسبوقة لمعتقل في ألمانيا وضع فيه اليهود مثل الآلاف غيرهم من شتى الجنسيات والأعراق ومورس ضدهم ما مورس ضد اليهود ، وأثبت بذلك ولاءه المطلق للصهيونية وكيانها الغاصب لفلسطين .

يتناسى الجميع أن أوباما قد جاء للمنطقة بينما الولايات المتحدة مثخنة بالجراح ، مأزومة ومهزومة ، وأن الرأسمالية كنظام اجتماعي تتهاوى . ولكنه جاء في الواقع الى أتباعه كي يؤكد لهم أن كل منهما هو سند للآخر، ولترتيب الأوضاع في المنطقة لتأمين موجه جديدة من الانقضاض على المنطقة بشكل هاديء ما أمكن ولانجاز مشروع الهيمنة الصهيو – امبريالية المسمى بالشرق الأوسط الجديد أو أي مسمى آاخر، ولاعطاء دور هام للعملاء والخونة في سحق كل أشكال المقاومة ، وضمان قدر من الهدوء في المنطقة تسمح له بخوض معركة كبرى في التخوم الاسلامية لعالمنا العربي ( باكستان وأفغانستان ) لينطلق منها للسيطرة على أسيا الوسطى والقوقاز ، وفتح الطريق للسيطرة على روسيا ذاتها التي تحتوي على 40 % من ثروات العالم الطبيعية . ولاجهاض القوى الصاعدة عالميا أي الصين وروسيا والهند أساسا . باعتبار أن ذلك كله هو الطريق الوحيد للتغلب على أزمة الرأسمالية  .

لقد انكشف أمر أولئك الذين يدعون أنهم معارضة ، سواء بالنسبة لكل الأحزاب الشرعية  ومعهم الاخوان المسلمون وجماعات المجتمع المدني ومثقفين وسياسيين وأعضاء مجلس شعب مستقلون ( أي غير حزبيون ) . اذ جميعهم في أفضل الأحوال مجرد منافسين أو متطلعين لنصيب في الكعكة . ولا يشفع لأي من هؤلاء ما رددوه قبل وبعد الخطاب . فكما نقول في مصر " الكلام ببلاش " . ولا يستثنى من هؤلاء سوى كل من عبد الحليم قنديل ، وحمدين صباحي اللذين وجهت لهما دعوات لحضور الخطاب ورفضوها ، ومعهم ربما واحد أو اثنان اتخذوا نفس موقف الرفض .

ها هو الاصطفاف يتضح بدون أي لبس محليا واقليميا وعالميا . فهل نستطيع البدء ببناء اصطفاف سياسي لقوى المقاومة العربية التي تقف بوجه المشروع الصهيو – أمريكي ، وفي سياق ذلك نصوغ استراتيجيتنا  ، لنسير قدما نحو الانتصار الذي لابديل عنه ؟

علِّق

محتويات هذه الخانة سرية ولن تظهر للآخرين.
  • Allowed HTML tags: <span> <div> <br> <p> <quote> <blockquote> <table> <td> <tr> <h1> <h2> <h3> <h4> <h5> <h6> <b> <i> <u> <a> <em> <strong> <cite> <code> <ul> <ol> <li> <dl> <dt> <dd>
  • يمكنك أن تكتب بالعربية و لغات أخرى من اليمين و سينساب اتجاه الكتابة تلقائيا بالشكل الصحيح.

معلومات أكثر عن خيارات التنسيق

CAPTCHA
This question is for testing whether you are a human visitor and to prevent automated spam submissions.
3 + 6 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.