- No upcoming events available
المشكلة فى حكامنا
Submitted by EDITOR1 on الأربعاء, 17/09/2008 - 11:56.
بقلم/ فهمي هويدي
أحذر من تمييع الاتهام في المسؤولية عن النوازل التي تحل بنا، بإقحام المجتمع ضمن المدعى عليهم في القضية، وهو ما تستشفه من الكتابات التي تحدثت عن ان المشكلة «تكمن في داخلنا»، وأن ما يحدث هو «حصاد عدم فعلنا المشترك» ـ لاحظ كلمة «المشترك» ـ وهو أيضا ما نلمسه في دعوة «الحكام والمحكومين لأن يفتشوا داخل أنفسهم عن أسباب القصور والعجز الذي ينخر في همتنا ويحاصر إرادتنا، ويسقط الكوارث تباعا فوق رؤوسنا».
هذا الكلام حين يصدر عن اشخاص محترمين واقلام لها وزنها، فإنه يستحق المناقشة، لأنه يخلط بين المصائب التي تحل بالوطن، والجرائم التي يرتكبها أناس او رموز منسوبة إلى الوطن، ثم انه يستدعي معنى مهمّا في القرآن يتحدث عن ان الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم، ويستشهد به في غير سياقه، فثمة تفرقة ضرورية بين جريمة القتل التي اتهم فيها رجل الأعمال وبين «كارثة الدويقة»، باعتبار ان المجتمع ليس طرفا في الحالة الأولى، ثم انه ضحية في الحالة الثانية، وقانون التغيير الذي أورده النص القرآني صحيح لا ريب، لكن تنزيله على مسلسل الفواجع الذي نشهده في غير موضعه، ولا أعرف كيف يمكن الربط بين مدلول الآية وبين احتراق مجلس الشورى او سقوط الصخور فوق رؤوس سكان الدويقة.
وهل من الإنصاف في هاتين الحالتين ان نتحدث عن ان ما جرى هو حصاد عدم فعلنا المشترك، او ان نقول إن المشكلة تكمن في داخلنا؟ والا يعد ذلك من قبيل تمييع الوزر، والزج بالمجتمع في ازمة ليس طرفا في المسؤولية عنها؟
ان مسلسل الازمات التي تابعناها خلال الآونة الأخيرة يشير بألف اصبع إلى مسؤولية الاجهزة الحكومية التي اتسم اداؤها بالتراخي والإهمال الجسيمين، ولا يحتاج الامر إلى شجاعة للاعتراف بذلك، لكننا نستطيع ان ندركه اذا نظرنا إلى ما جرى بعين محايدة ومنصفة، ليس ذلك وحسب، وانما ازعم ان الحكومة مسؤولة بدرجة كبيرة عن التغيرات السلبية التي طرأت على منظومة القيم السائدة في المجتمع، لسبب جوهري هو ان الشعوب تربى عادة، والمربي هو السلطة التي تقود المجتمع، اذ هي بانحيازها إلى قيم معينة، وبالنموذج الذي تضربه في ادائها، فإنها تعطي دروسا للمجتمع تؤثر مباشرة في سلوكه ومنظومة قيمه، ذلك ان الكذب والغش والتزوير والاحتيال وغيرها من الرذائل موجودة في المجتمعات الإنسانية منذ الأزل، ولا تملك أى سلطة ان تجتثها او تقضي عليها.
ولكن اي سلطة تستطيع من خلال ممارساتها ان تكسب تلك الرذائل شرعية، وتثبتها كقيم في المجتمع، والعكس صحيح، اذ بمقدورها ان تحاصرها وتقلص منها، إن تبنت من خلال ادائها موقفا مناهضا لها.
ثمة مقولة شهيرة تعزز هذا المعنى منسوبة إلى الخليفة عثمان بن عفان تعلن ان الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن، في اشارة صريحة إلى ان دور السلطة في تقويم الناس يتجاوز دور القرآن ذاته، الذي يفترض انه اخطر مؤثر في المجتمع الاسلامي، من ذلك ايضا قول الامام على بن ابي طالب: الناس بأمرائهم أشبه منهم بآبائهم (في التمثل والتلقي والتقليد)، وهو نفسه من قال لأمير المؤمنين عمر بن الخطاب: لقد عففت فعفت الرعية.
هذه الفكرة صاغها الفيلسوف الفرنسي هلفيتيوس في القرن الثامن عشر عندما قال: إن التفاعل بين المجتمع والسلطة ذو اتجاه واحد، فالشعب لا يؤثر في طبيعة السلطة، وانما تؤثر السلطة في خصائص الشعب واخلاقه، واستنتج من ذلك ان السلطة مسؤولة عن مساوئ الشعب، كما انها مسؤولة عن محاسنه.
والأمر كذلك، فلسنا نبالغ إذا قلنا إن استقامة السلطة ونزاهتها من شأنها أن تهذب سلوك الناس وترتقي بأدائهم، أما فسادها وما تمارسه من انحراف وقمع، فهو مدرسة تخرج كل يوم «دفعة» من الفاسدين والمنحرفين، بالتالي فليس صحيحا ان المشكلة في داخلنا، وانما هي في حكامنا
- 439 reads
( categories: )

لابد وحتماً التغيير فيمصر كما حدث في أوربا الشرقية
علِّق