- No upcoming events available
مواطن بلا ثمن
Submitted by EDITOR1 on الثلاثاء, 09/09/2008 - 07:33.
بقلم: فهمي هويدي
لا وجه لمقارنة الوجوم الذي خيم علي القضاء المصري منذ أمس الأول، حين ذاعت أخبار انهيار صخور جبل المقطم علي أهالي «الدويقة»، بعدم الاكتراث والشماتة التي عبر عنها كثيرون حين علموا باحتراق مبني مجلس الشوري، وبوسع أي واحد أن يدرك هذا الفرق إذا ما تتبع الرسائل الهاتفية والمدونات، التي يتحدث فيها الناس بتلقائية ويأخذون راحتهم في التعبير عن آرائهم، وكما أنني دعوت في وقت سابق إلي أخذ التعليقات التي صدرت في أعقاب حريق مجلس الشوري علي محمل الجد، للوقوف علي أسباب عدم اكتراث البعض وشماتتهم، فإنني أضيف هنا أن نضم إلي الملف تعليقات الناس علي سقوط كتل جبل المقطم فوق رؤوس سكان منطقة الدويقة.
لا يحتاج المرء إلي بذل جهد لكي يفسر التفاوت في الصدي ما بين الوجوم والشماتة فأهالي الدويقة رمز لمصر الحقيقية، هم الفقراء الكادحون والمهمشون، أما مبني مجلس الشوري فهو رمز للسلطة التي ضاق الناس ذرعاً بها بعدما ألهبت ظهورهم بسياط الغلاء وحكم الطوارئ، وفي ظلها ترعرع الفساد وتوحش، إن شئت فقل إن سكان الدويقة هم نحن أما مجلس الشوري فهو منسوب إلي الآخر، الذي أمسك بخناقنا، ولا يزال مصراً علي أن يتحكم في مصيرنا، مجهضاً كل أمل لنا سواء في الإصلاح أو التغيير.
هذه ملاحظتي الأولي علي الفاجعة، الملاحظة الثانية: أن التفاصيل التي نشرت حول الحادث في الصحف الصباحية أمس، تحدثت عن مجازفة الناس بالعيش في ظلال الموت لأنهم لا يجدون مأوي لهم، في حين أن أقرانهم الذين يسكنون وسط المقابر ليسوا بعيدين عنهم، كما تحدثت عن عجز «الأوناش» وعربات الإنقاذ عن الوصول إلي ضحايا الانهيارات، لأن الطرق من الضيق بحيث لم تسمح للعربات بالدخول، الأمر الذي اضطر البعض إلي استخدام «مناشير» يدوية لقطع الصخور لإخراج الضحايا، المفارقة أن الصحف التي نقلت إلينا هذه الصور البائسة، هي ذاتها التي دأبت طوال الأشهر الماضية علي نشر صفحات الإعلان عن المنتجات والأبراج بصورة مستفزة، كأن الأقدار أرادت لنا بكارثة المقطم أن نفيق ونتذكر أن تلك الإعلانات ليست سوي محاولة لتزوير الواقع المصري والعبث بأحلام الناس، في حين أن للحقيقة وجهاً آخر، هو ذلك الذي رأيناه في الدويقة.
الملاحظة الثالثة: أننا بعد أن وقعت الواقعة تذكرنا أن صخور المقطم الهائلة ما برحت تتساقط فوق رؤوس الغلابة منذ أكثر من خمسة عشر عاماً «في الكلام المنشور أن أول كارثة من ذلك القبيل وقعت في عام 1993 وأن سبعين شخصاً قتلوا فيها»، تذكرنا أيضاً أن خبراء الجيولوجيا والاستشعار عن بعد بُحت أصواتهم وهم يحذرون من مخاطر انهيار صخور جبل المقطم، لأسباب تتعلق بالطبيعة الجيرية لتلك الصخور، وبسوء استخدام المياه في المنشآت المقامة فوق الجبل، حتي إن أحدهم فاض به الكيل ـ الدكتور ماجد الركايبي ـ أستاذ الاستشعار عن بعد ـ فصرح أمس بأن أحداً في مصر لا يريد أن يعترف بعلم الجيولوجيا، تُذكرنا كذلك أن باحثة في جامعة الزقازيق ـ اسمها ريهام وسيم عبدالحميد ـ أمضت ثلاث سنوات في دراسة الأخطار التي تهدد المنطقة المتاخمة للمقطم، وأن نتائج هذه الدراسة قدمت إلي وزارة الإسكان ومحافظة القاهرة، لكنها لم تحرك ساكناً لدي أحد من المسئولين من الجهتين، تذكرنا أن سكان المنطقة المنكوبة كان يفترض أن ينقلوا إلي منطقة أخري تضم أربعة آلاف وحدة سكنية بعد ثلاثة أسابيع، لكن ذلك لم يكن «مكتوباً» لهم، كما صرح الدكتور أحمد نظيف رئيس الوزراء.
لقد نشر الأهرام أمس تقريراً علي صفحة كاملة كان عنوانه: المقطم غاضب من الإهمال، ورغم أنه استعرض جهود العلماء والباحثين لدراسة مشكلة جبل المقطم مع جيرانه، إلا أن التقرير لم يذكر لنا من الذي أهمل وأوصل الأمور إلي الكارثة التي وقعت، وترك الأمر لفطنة القارئ اللبيب وحدسه حيث لم يشأ أن يذكر صراحة أن الحكومة أبلغت ونبهت، لكنها لم تفعل شيئاً، لسبب جوهري هو أن سكان المنطقة هم من شريحة الذين غرقوا في العبارة وركاب قطار البدرشين الذي احترق ورواد قصر الثقافة في بني سويف الذين تفحموا في داخله، ومشكلة هؤلاء جميعاً أنهم مواطنون بلا ثمن.
- 494 reads
( categories: )

علِّق