مقعد رئاسة مجلس الدولة الطائر في مصر
Submitted by EDITOR1 on الأربعاء, 04/06/2008 - 14:46.

عندما يتدخل الرئيس في شؤون القضاء

بقلم / سليم عزوز

رُفعت الأقلام، وجفت الصحف، فقد اختار الرئيس المصري حسني مبارك، لمجلس الدولة رئيسه، في سابقة هي الثانية من نوعها في تاريخ هذا الصرح القضائي الشامخ، جرت المرة الأولي في ظل مذبحة القضاء، في الستينيات، وجرت الثانية عندما قرر المجلس الخاص لمجلس الدولة، اختيار من سبق له وان قضي بإلغاء القرار الرئاسي بمحاكمة المدنيين أمام المحاكم العسكرية!

مؤخرا سلمت رئاسة الجمهورية خطاب الترشيح، وكانت دعوة الجمعية العمومية للموافقة علي من اختاره الرئيس، والا. وكانت التهديدات قد نقلها رئيس الجهاز المركزي للمحاسبات جودت الملط، والمستشار القانوني للرئيس محمد دكروري لأعضاء المجلس الخاص، الذين كانوا قد اجتمعوا وقرروا اختيار المستشار محمد الحسيني، وكان واضحا ان قرار ازاحة الحسيني قد تم التوصل إليه، من قبل قضاة مجلس الدولة السابقين الذين هم من رجالات أهل الحكم، عقب وفاة المستشار السيد نوفل رئيس مجلس الدولة لاختيار البديل المناسب. وكان الحق الذي أريد به باطل، هو ان " تعليمات" الرئيس نصت علي ضرورة الحفاظ علي تقاليد مجلس الدولة، بأن يكون اختيار الرئيس بالأقدمية!

الثلاثي الذي اجتمع به الرئيس للانقلاب علي قرار المجلس الخاص باختيار المستشار الحسيني، ضم الملط الذي شغل منصب رئيس مجلس الدولة سابقا، ودكروري القاضي السابق بمحاكم القضاء الإداري، ويحيي عبد الحميد الأمين العام السابق لمجلس الدولة ومحافظ الشرقية الحالي، والمعني ان تقرير المصير في هذا الصرح القضائي تم من خارجه، وبتدخل سافر من رجالات السلطة التنفيذية، لا ينزع عنهم هذه الصفة أنهم كانوا من قبل قضاة بمجلس الدولة!

رئيس مجلس الدولة في مصر كان قد فاجأ أهل الحكم برحيله، الأمر الذي دفعهم للتدخل في اختيار رئيس جديد، بشكل يمثل إهدارا لاستقلاله، ويعد دلالة علي تغول السلطة التنفيذية وتوحشها، في مواجهة السلطة القضائية.

أولو الأمر منا كانوا قد مدوا سن الإحالة للتقاعد بالنسبة للقضاة، ليستفيد منه المستشار سيد نوفل رئيس مجلس الدولة، الذي كان مقررا خروجه علي المعاش في يونيو الماضي. وعندما اشتد عليه المرض، خصصوا له طائرة لتنقله الي باريس كلما اقتضت الحاجة لذلك، الأمر الذي جعل من بلد الجن والملائكة اقرب إليه من محافظة الإسكندرية، حيث يقيم، او الي القاهرة حيث يعمل.

وكان هذا الكرم الحاتمي له ما يبرره، فهناك قاض شاب رفضت الدولة علاجه، مما دفع نادي القضاة الي جمع مصاريف العلاج من فاعلي الخير ورجال الأعمال، وكانت قد رفضت ايضا علاج قاض اخر بمجلس الدولة بالخارج، وعندما صدر حكم بات بأحقيته في العلاج، تدخل الرئيس ووافق علي علاجه، وسط زفة إعلامية، بينما كان وزير العدل يستشكل في تنفيذ الحكم، أمام محكمة غير مختصة، حتي لا يمثل الحكم إلزاما للدولة تجاه القضاة المرضي!

نعلم ان العلاج علي نفقة الدولة في الخارج، لا يمنح الا وفق حسابات دقيقة، وقد يمنح لفنان مثل احمد زكي، حتي وان كان من القادرين علي ذلك، وقد قامت الدولة مشكورة بتحمل نفقات شفط دهون احتشدت حول خاضرة فنانة بالداخل، في وقت لم توافق فيه علي علاج عالم في قامة الدكتور عبد الوهاب المسيري، ليتدخل أحد الأمراء السعوديين مشكورا للقيام بهذه المهمة، ونيل هذا الشرف، في الوقت الذي استقبل فيه الرئيس احد النواب المحسوبين علي المعارضة، وقرر علاجه في باريس علي نفقة الدولة، واستقبل سيادته، وسط " زفة" إعلامية، تعيد وتزيد في احترام اهل الحكم للمعارضة، وهذا هو الدليل، مع ان الجميع علي علم بأن هذه المنحة العظيمة هي بسبب دوره في تدمير حزب الغد.. حزب ايمن نور!.

لقد فعل القوم كل ما في وسعهم من اجل الإبقاء علي رئيس مجلس الدولة في موقعه، فمدوا له، وانفقوا الكثير من اجل الحفاظ علي صحته، لكن ثغرة واحدة لم يعملوا لها حسابا، هي تلك التي دخل منها عزرائيل ليقبض روح الرجل، فزاغت الأبصار، واخذوا يقلبوا أيديهم علي ما انفقوا!

لقد بدأ المستشار نوفل حياته القضائية في رئاسة مجلس الدولة، برفض تأسيس ثلاثة عشر حزبا في جلسة واحدة، وفي الطريق ألغي حكما يقضي بعدم جواز محاكمة المدنيين أمام المحاكم العسكرية، وأيدت دائرته حكما قضي بعدم أحقية ايمن نور في الإفراج الصحي، كما أصدر حكما يهدم مبادئ أرساها قضاء مجلس الدولة، فيما يختص بتدخل لجنة شئون الأحزاب في النزاعات الحزبية، وتنص هذه المبادئ، علي ان اللجنة ليس لها ان تتدخل، فتعتد بهذا رئيسا، او تسحب اعترافها بذاك، او تجمد أي حزب، اذا ما وقع نزاع داخله!

وجاء قضاء سيد نوفل ليؤكد ان قرارات اللجنة ليست قرارات إدارية وبالتالي لا يجوز الطعن عليها أمام القضاء الإداري، لاحظ ان اللجنة يترأسها الأمين العام للحزب الحاكم، وتضم في عضويتها وزيري الداخلية والبرلمان، وعدد من القضاة السابقين، يختارهم رئيس الدولة، ورئيس الحزب الحاكم أيضا!.

الرجل كان قد تجاوز الستين من عمره، وكان مريضا، لا يستطيع ان يستمع إلي مرافعة مترافع، وكان في الأغلب يخرج من المحكمة عقب ترأس أي جلسة إلي المستشفي، وقد جري المد له عامين آخرين، لكنه كان يطمع ان يزيد، وكان كلاما كثيرا يتردد بأن الحكومة ستضحي بوزير العدل الحالي عند أول تشكيل وزاري. وما اظنها ستفعل، وربما حلم بالمنصب!

انه الحرص وطول الأمل، وقد كان أكبر " مقلب" تمثل في الرحيل المفاجئ، والذي لم يعمل لها أولو الأمر منا حسابا، وهو ما ذكرنا بما جري مع المستشار فتحي نجيب الذي تولي عملية " تفصيل" لعدد من القوانين، التي تريدها السلطة، وقد صدرت أحكام المحكمة الدستورية العليا تقضي بعدم دستوريتها!

نجيب صدر قرار بتعيينه رئيسا للمحكمة الدستورية، وبعد ذلك اكتشفوا انه لم يتبق له للخروج علي التقاعد سوي ستة اشهر، فتم تعديل قانون السلطة القضائية للمد له عامين، وبعد المد داهمه الموت، كذلك يريهم الله أعمالهم حسرات عليهم!.

ما علينا، فالقانون يعطي لرئيس الدولة حق اختيار رئيس مجلس الدولة من بين أعضاء المجلس الخاص، علي ان يعرض الأمر علي الجمعية العمومية لقضاة المحكمة، فان أقرت ما اختاره الرئيس فبها ونعمت، وان اعترضت فمن حق الرئيس ان يصر علي اختياره، ولا يكون أمام الرافضين الا السمع والطاعة، وهو نص معيب، يهدر استقلال القضاء. لكن التقاليد جرت علي ان المجلس الخاص يختار أقدم الأعضاء، ويرسل قراره لرئيس الجمهورية الذي يوافق عليه، ويعرض علي الجمعية العمومية فتقره.

ومما يُذكر في هذا الصدد انه عندما أصبح الدور علي المستشار المفكر طارق البشري ليرأس مجلس الدولة، وأزعج الأمر السلطة، تفتق ذهنها، عن ان هناك مستشارا أقدم من البشري يعمل في احدي دول الخليج منذ قرابة الربع قرن، فاستدعته علي جناح السرعة، لمهمة رئاسة مجلس الدولة، ولم تدفعها " ورطتها" ان تخالف تقليدا معمولا به منذ نشأت هذا الكيان القضائي العريق، وان تستغل السلطات الواسعة لرئيس الجمهورية في الاختيار، والممنوحة له قانونا!.

لقد اجتمع المجلس الخاص عقب رحيل المستشار نوفل، ولان النظام كان علي الخط، فقد فوجئوا بطلب المستشار نبيل ميرهم بالولاية لنفسه بحجة انه الأقدم، وقد رُفض طلبه، لأنه كفيف البصر، ولا يتمتع بالسلامة الجسدية، الواجب توافرها في القاضي الذي يفصل بين الناس، مما من شأنه ان يعرض أحكامه للبطلان، وكان الرفض بالإجماع، وجري اختيار المستشار محمد الحسيني!.

من له صلة بمجلس الدولة، ولو صلة المتابع المهتم مثلي، يعلم ان الدور في رئاسة المحكمة علي المستشار الحسيني، والي الدرجة التي جعلته وهو يرأس محكمة القضاء الإداري، " الدائرة الأولي، يتوقف عن إصدار الأحكام، في القضايا التي ينظرها، حتي لا يجد نفسه مضطرا للتنحي عندما تعرض عليها الطعون فيها، وهو يرأس المحكمة الإدارية العليا، وذلك عندما كان مقررا له ان يتولي هذا المنصب في يونيو الماضي، وقبل مد سن الإحالة للتقاعد!

وعلي الرغم من ان الأمر انتهي بقرار المجلس الخاص، وخروج المستشار ميرهم غاضبا، الا ان الرئيس اوفد رجاله بالرسالة سالفة الذكر!

الرسالة تقول لابد من احترام أقدمية ميرهم، واذا لم يتم اختياره فان الرئيس سيستخدم سلطاته القانونية ويختار من يريد، ولو من خارج المجلس الخاص.. وهذه تعد تجاوزا لهذه السلطات. وفي عزاء نوفل اقترب الرئيس مبارك من ميرهم وصافحه بحرارة في رسالة لا تخطئ العين دلالتها!

وانطلقت الآلة الإعلامية تبرر، فميرهم هو الأقدم.. وهذا صحيح، وهو الأحق بخلافة نوفل لان كف بصره لا يحول دون ذلك، فهو يشغل موقع النائب الأول لرئيس مجلس الدولة من ناحية، ومن ناحية أخري انه يمكن ان يختار بجانبه من يعينه علي القراءة وما الي ذلك، بالجلوس بجانبه علي المنصة، او في غرفة المداولة، وهذا كلام فاسد، ففي الأولي فانه من المعلوم عن الرجل انه لا يقوم علي عمل قضائي، منذ خمسة عشر عاما، فهو فقط يرأس الجمعية العمومية للفتوي والتشريع، وهو عمل اداري، وفي الثانية فان وجود مساعد له في غرفة المداولة يمثل انتهاكا للسرية التي يجب ان تحاط بها. وفي الأولي والثانية فان الأحكام التي تصدر في دائرة برئاسته تكون قد تخلقت في رحم البطلان، لعدم توافر شرط أساسي فيه، وهو شرط السلامة العامة.

مما رددته الآلة الإعلامية، ان الخروج علي تقليد الأقدمية من جانب المجلس الخاص، انما يعد لكون المستشار نبيل ميرهم قبطيا، وكون الرئيس مبارك يتدخل علي هذا النحو، فان معني هذا انه انتصر للوحدة الوطنية، في مواجهة المتزمتين طائفيا!

وهو كلام للاستهلاك المحلي، والدولي، ذلك بأنه سبق لقبطي ان ترأس مجلس الدولة المصري، وذلك منذ سنوات، وهو المستشار فهمي حنا ناشد، وكان وجوده طبيعيا فقد اختاره المجلس الخاص والجمعية العمومية، لأنه كان الأقدم، ولا ينقصه شرط من الشروط الواجب توافرها في القاضي!

الحقيقة وراء هذا التدخل الرئاسي، بهذا الثقل، ليس هو الانحياز للتقاليد القضائية، ولا الرفق بأصحاب الحالات الخاصة، ولا الإنصاف  للأقباط في مجتمع متطرف، ولكن لان الأحق بالمنصب هو المستشار محمد الحسيني، الذي سبق وان أصدر حكما بإلغاء قرار رئيس الجمهورية بإحالة الإخوان للمحكمة العسكرية، وهو الحكم الذي ألغته دائرة الفقيد سيد نوفل. ولا خوف علي ما تقرر في حالة تولي الحسيني رئاسة المحكمة الإدارية العليا، فقد قُضي الأمر، واذا عرضت قضية جديدة أمامه مستقبلا، فانه في هذه الحالة سيكون لازما عليه ان يتنحي عن نظرها، لكونه صاحب حكم سابق، لكن العمل علي استبعاده مرده ان يكون درسا بليغا للقاضي الذي يظن انه مستقل ولا سلطان عليه في أحكامه. 

الهدف ان يتعلم الجميع من مقعد الحسيني الطائر !

جزاك الله

جزاك الله خيراً "و سيعلم الذين ظلمو أي منقلب ينقلبون "

خيارات عرض التعليق

اختر الطريقة التي تفضلها لعرض التعليقات، ثم اضغط على "احفظ الإعدادات" لتفعل التغيرات.

علِّق

محتويات هذه الخانة سرية ولن تظهر للآخرين.
  • Allowed HTML tags: <span> <div> <br> <p> <quote> <blockquote> <table> <td> <tr> <h1> <h2> <h3> <h4> <h5> <h6> <b> <i> <u> <a> <em> <strong> <cite> <code> <ul> <ol> <li> <dl> <dt> <dd>
  • يمكنك أن تكتب بالعربية و لغات أخرى من اليمين و سينساب اتجاه الكتابة تلقائيا بالشكل الصحيح.

معلومات أكثر عن خيارات التنسيق

CAPTCHA
This question is for testing whether you are a human visitor and to prevent automated spam submissions.
3 + 4 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.