- No upcoming events available
محطات عبرناها في زمن الرئيس مبارك
Submitted by EDITOR1 on الثلاثاء, 20/05/2008 - 23:01.
بقلم / د.عمار على حسن
كنت جالساً تحت شجرة السنط، التي تقف شامخة علي رأس حقلنا، أقرأ قصة «حمزة البهلوان» مستمتعا بفروسيته الأسطورية، التي ألهبت حماسي كصبي غرير يستعد لدخول الصف الثاني الإعدادي. وفجأة انطلق صوت زاعق عند الباب الخلفي لقريتنا، التي تلوح هناك بين شواشي النخيل يقول: «قتلوا السادات»، فامتلأ وجه أبي، الفلاح البسيط، بقلق عميق، وأمر بأن نعود إلي المنزل.
ورحنا علي مدار الأيام اللاحقة نتابع ما يجري علي شاشة التليفزيون، وتعجبنا للقطات الخاطفة التي كان يظهر فيها المرحوم صوفي أبو طالب، رئيس مجلس الشعب، الذي قام بأعمال رئيس الجمهورية لأسبوع واحد، وللصور الجلية الواضحة التي بان فيها السيد النائب حسني مبارك، حتي بات رئيسا للجمهورية.
ولم يشأ خطيب المسجد، الذي كان يقرأ خطبته من كتاب سلمته إياه وزارة الأوقاف، أن يدعو للأول، فقد كان يعرف أنه عابر، ثم قال في الجمعة التالية: اللهم احفظ رئيس جمهوريتنا السيد محمد حسني مبارك، وانصره علي أعدائه يا رب العالمين، فرددنا عليه بامتنان شديد: آمين.
ومن قلق أبي لموت السادات أدركت، ربما دون قصد كامل مني، الأهمية القصوي التي يلعبها الرئيس في حياتنا، فرحت أتابع مبارك في أحاديثه، وأبني عليها اكتشافي المبكر لعالم السياسة، وأخذت كلماته تحفر في رأسي علامات راسخة حين كان يتحدث عن «الصدق والصراحة»، وسألت جدي عن معني قوله: «الكفن مالهوش جيوب»، وأنصت إليه وهو يقارن بين ملامح مبارك وملامح عبد الناصر، الذي كان يعشقه، فجعلني، دون إرادة مني، أعول علي مبارك كثيرا، وأطمئن إلي أن كل شيء سيمضي علي ما يرام ما دام هو موجوداً، يحكم ويسأل ويضبط ويسعي بنا وعلينا بين الأمم.
وهكذا بقي ما بيني، كصبي من ريف صعيد مصر، وبين الرئيس عامرا بكل خير، تحوطه الثقة، ويحفظه حسن الظن، حتي انقضت المرحلة الثانوية، وحملت حقيبتي إلي القاهرة للالتحاق بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية عام ١٩٨٥، وفي اليوم الجامعي الأول صدمني أستاذ النظرية السياسية حين سألنا في آخر محاضرته الأولي: متي ستقوم الثورة في مصر؟، وترك تلاميذه يقدرون المدة حسبما شاءوا، ثم قال وهو يلملم أوراقه استعدادا لمغادرة المدرج: ستقوم الثورة بعد ربع قرن.
وتصادف أن يكون اليوم الجامعي الأول لي هو اليوم الذي أطلق فيه الجندي سليمان خاطر النار علي مجموعة من الإسرائيليين عبروا حدودنا، بلا اكتراث بالتعليمات التي تمنع ذلك، فأرداهم قتلي. واندلعت المظاهرات، ولم يكن أمامي مفر من المشاركة فيها، لأن المتظاهرين ملأوا شارع الجامعة، الذي كان لا بد أن أسلكه عائدا إلي بيت أقربائي بالجيزة، وكان نصيبي قنبلة مسيلة للدموع انفجرت بجانبي، ففقدت القدرة علي الإبصار، ورحت أمد يدي للعابرين كي يأخذوني إلي حيث أسكن.
وفي المساء رحت أسترد بصري ومعه أسترد وعيي، ولذا وقعت دون تردد علي مذكرة تبناها اتحاد طلاب الجامعة تناشد الرئيس عدم محاكمة خاطر، الذي قيل إنه انتحر في سجنه، فقلنا جميعا: نحروه.
ومع توالي دروس العلوم السياسية، وارتفاع صوت صحف المعارضة، لاسيما الوفد والشعب والأهالي، بدأ القلق يتسرب إلي نفسي وأنا أطالع يوميا حكايات عن الفساد الذي يسري في أوردة الجهاز البيروقراطي المصري، وعن الاعتقالات المتلاحقة للطلبة الإسلاميين وبعض اليساريين، والتعذيب في السجون، والبذور المستوردة من إسرائيل، وصفقات الأغذية الفاسدة، وتزوير الانتخابات التشريعية والمحلية،
وتصاعد نفوذ الشرطة خارج القانون، وتراجع مكانة مصر وهيبتها، وعلو صوت المنافقين في الصحف القومية والتليفزيون والإذاعة. ومع هذا فقد كنت أتوقف طويلا أمام جملة طالما رددها المعارضون بمختلف أطيافهم تقول: «الرئيس حكم بين الجميع»، وأقيسها علي ما كان يقوله لنا بعض أساتذتنا من أن «النظام السياسي المصري هرم مقلوب قاعدته رئيس الدولة».
ولأن أساتذتي علموني «تحليل المضمون» و«تحليل الخطاب» و«أساليب المقارنة» فقد أدركت الفارق الكبير بين النص والممارسة، وبين الخطب العصماء الغارقة في البلاغة والواقع الأعرج المثقل بالمشاكل. ولهذا كان الكلام عن «محدودي الدخل»
بينما الفعل لصالح المترفين، وكان الكلام ضد الفاسدين، لكن الممارسة مالت لصالح من أرادوا فتح الباب علي مصراعيه لكل من هب ودب كي ينهب ويسلب، حتي طالب أحد المقربين من الحكم في منتصف التسعينيات بتقنين الرشوة. ومع هذا كنت أقول لنفسي أطمئنها إن في الإمكان أن يجبر ما انكسر، ويرتق ما انقطع، وأحاول أن أنسي التصريحات المتناقضة التي قيل في أولها: «لن نبيع القطاع العام من أجل صالح المواطنين» بينما قيل في آخرها بعد سنوات قلائل: «سنبيع القطاع العام من أجل مصلحة المواطنين».
ولما وجدت أن كل شيء قد صار يمضي تحت لافتة عريضة تقول: «بفضل توجيهات السيد الرئيس»، وضعت يدي علي قلبي مشفقا علي الرئيس من أن يحمّله مَنْ حوله نتائج كل أفعالهم، وتوقعت أن يجدوا من ينهرهم، ويقول لهم بحزم وحسم: كل إنسان ألزمناه طائره في عنقه.
لكن توقعاتي تبخرت مع انزلاق مهمة رئيس الوزراء إلي أعمال السكرتارية، وظهور لجنة السياسات، التي تدير كل شيء بلا سند من قانون، والخلط بين الدولة والحزب الحاكم، وتحولهما معا إلي حارس مخلص للإقطاعيين الجدد.
واليوم أقول بملء فمي بعد أن وصلت إلي الأربعين من عمري: اتسع الخرق علي الراتق، ولم أعد أثق في أن من أفسد الأشياء قادر علي إصلاحها، وأتذكر سؤال أستاذ النظرية السياسية، فأبتسم وأقول: لم يبق علي الموعد الذي قدره سوي سنتين.
- 916 reads
( categories: )

Wow, I love this article and
العائلة المالكة
علِّق