بين «غيفارا» و«الأفغـاني
Submitted by د.إيمان يحيى on الاثنين, 19/02/2007 - 17:22.
إذا كان غيفارا يمثل ‘’أيقونة’’ الثائر طوال النصف الثاني من القرن العشرين وحتى الآن، فإن السيد جمال الدين الأفغاني؟ بلا منازع؟ هو نموذج دائم فذ للثورة العابرة للحدود والأوطان. خاض غيفارا حروب المضطهدين في كوبا والكونغو وبوليفيا، وقيل إنه كان يفكر في الانضمام إلى ثوار فلسطين. أما الأفغاني فقد انتقل بجسده؟ في وقت عز فيه الترحال؟ إلى أحد عشر بلداً ووطناً يبشر بالجهاد ضد الاستعمار والكفاح ضد الطواغيت. تجاوزت أفكاره حدود تلك البلدان، التي مكث فيها أو زارها لأكثر من مرة، لتثبت وعياً وفكراً ثورياً إنسانياً في بلدان أخرى. لعل كثرة تنقلاته كانت سبباً في إثارة اللغط عن جنسيته فشكك البعض في أفغانيته زاعماً أنه إيراني [1] ، لكن السيد جمال الدين؟ نفسه؟ ومن بعده تلميذه محمد عبده يشيران إلى مولده في قرية ‘’سعد أباد’’ من أعمال كابول [2]،[3]. يقول الأفغاني مستهزئاً بالانشغال بالبحث عن وطن له ‘’وأي نفع لمن يذكر أني ولدت سنة 1254هـ، وعمرت أكثر من نصف عصر، واضطررت إلى ترك بلاد الأفغان مضطراً، تتلاعب بها الأهواء والأغراض (...) وأكرهت على مبارحة الهند، وأجبرت على الابتعاد عن مصر أو إن شئت قل نفيت منها ومن الأستانة، ومن أكثر عواصم الأرض.
كل هذه الأحوال خاطرات لا تسرني، وليس فيها أدنى قائدة للقوم’’ [4]. كان الشرق العربي والإسلامي وحدة جغرافية وسياسية ولم تكن هناك جنسيات ودول قومية. لعل الأفغاني باستهزائه ممن اهتموا بموطنه وجنسه وعشيرته يتمثل جوهر الإسلام في أنه لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى.
لم يترك الرجل موضعاً أو مكاناً في الأرض، يلائم دعوته، إلا وبذر فيه فكره الثوري ضد الاستعمار والاستبداد. ووصل الأمر بأحد الباحثين الثقاة أن يضع خريطة معقدة لرحلات السيد ‘’ جمال الدين [5]’’. لم تقتصر رحلاته المكوكية على بلاد المسلمين، بل ها هو يناضل في الهند ضد الإنجليز ويوجه نداءه الشهير إلى الهنود بأنهم لو كانوا ذباباً لطن آذان بريطانيا، ولو كانوا سلحفاة لخاضوا البحر وأغرقوا جزيرة بريطانيا، ولم يجيء السلطان الغزنوي باكياً يزرف الدمع بل فاتحاً شاهراً سلاحه [6]. فيتم نفيه إلى مصر. ثم ها هو يذهب إلى باريس ولندن وميونخ وروسيا يدعو إلى الحرية ومناهضة الاستبداد.
استدعاه الإنجليز من منفاه بالهند ليقترحوا عليه تتويجه سلطاناً على السودان لإخماد ثورة المهدي التي حرض عليها، فيرفض قائلاً مصر للمصريين والسودان متمم لها، وصاحب الحق فيها الخليفة، والأولى ببريطانيا إصلاح أيرلندا[7]. يقيم في باريس أكثر من ثلاث سنوات لينشر مقالاته في مجلة ‘’العروة الوثقى’’. يعيش في مدينة ‘’بطرسبرج’’ الروسية مدة عامين ويكتب مقالات ضد انجلترا واستعمارها ويحاول إقناع القيصر بإبرام حلف روسي ؟ تركي.
ولعل قصته مع القيصر خير دليل على دفاعه عن الديمقراطية. سأله القيصر عن سبب خلافه مع شاه إيران فقال الأفغاني ‘’إنه الحكومة الشورية، أدعو إليها ولا يراها الشاه’’ فقال القيصر ‘’الحق مع الشاه، فكيف يرضى ملك أن يتحكم فيه فلاحو مملكته ؟’’ فيرد جمال الدين ‘’أعتقد يا جلالة القيصر، أنه خير للملك أن تكون ملايين رعيته أصدقاء له من أن يكونوا أعداء يترقبون له الفرص [8]’’.
تتنوع أساليب الأفغاني في النضال، مع تغير الظروف والأمكنة والمراحل. لم يترك فرصة سانحة كي يحاول أن يؤثر في مراكز اتخـــاذ القرار السياسي إلا وانتهزها.
عمل وزيراً لدى محـــمد أعظـــم في كابول ووزيراً للحربيـــة ومستشاراَ خاصاً لشاه الفرس ناصـر الدين، ولم يعمر في تلك المناصب لاختلاف رؤيته الثوريــة مــع مصالح أولي الأمـر.
كان عالماً وفقيهاً بارزاً، رفض مشيخة الأستانة في عهد السلطان عبد الحميد. كان ‘’أبو الصحافة الثورية’’ في الشرق، ها هو مع تلميذيه الأمام محمد عبده وأديب إسحاق يصدرون جريدة ‘’العروة الوثقى’’ من باريس.
ثمانية عشر عدداً فقط هزت الشرق والدنيا قبل أن تتوقف. صودرت الجريدة في الهند ووضعت تحت الرقابة في مصر، ثم صدر قرار بمنع دخولها مصر بل وتغــريم من توجد لديــه نسخة منها من خمسة جنيهــات إلى خمسة وعشرين جنيها [9]. ولعلها كانت عقوبة عجيبــة لقــراء الصحــف آنــذاك.
في عصرنا الحالي، انتشرت تهمة ‘’الإرهاب’’ كي يطلقها الطغاة والمستعمرين على المطالبين بالحرية والاستقلال. اتهمه أعداؤه بالإرهاب. ادعوا تارة أنه اشترك في مؤامرة لاغتيال الخديوي إسماعيل من فوق كوبري قصر النيل، ومرة أخرى بأنه حرض على اغتيال الشاه ناصر الدين وهو يزور مشهد عبد العظيم بإيران بينما كان الأفغاني قابعاً في الأستانة. لم يكن الأفغاني إرهابياً على الإطلاق. كان صنعة الرجل الفكر والدعوة الثورية.
الإرهاب عمل فردي، لا يقدم ولا يؤخر. أما الثورة فهي حركة شعبية. كان الأفغاني من أنصار الثورة، أليست الثورة العرابية في مصر والثورة المهدية في السودان هي من نتاج تعاليمه. كيف يستقيم دفاع الأفغاني عن النظم النيابية والشورى والدستور مع اتهامه بالإرهاب؟.
يحفظ الجميع للثائر غيفارا قولته ‘’الثائر هو أول من يصحو وأول من يضحي، هو آخر من يأكل وآخر من ينام’’. قالها الأفغاني أكثر من مرة قبله بأكثر من مئة عام. عندما صدر أمر بنفيه من مصر إلى الهند، قابله بعض تلاميذه وعرضوا عليه المال فقال ‘’أنتم إلى هذا المال أحوج، والليث لا يعدم فريسة حيثما ذهب [10]’’. وعندما حاول السلطان العثماني عبد الحميد تقييد حريته وتزويجه ليحد من ثوريته، رفض الأفغاني قائلاً ‘’يريد السلطان أن أتزوج! مالي والزواج، إني ما تزوجت هذه الدنيا العظيمة الجميلة، فكيف أتزوج بامرأة [1]’’ !
كان عصياً على الترويض، فما لبث أن تهكم على السلطان عبد الحميد ‘’خلافة كبرى؟! وإمامة كبرى؟’’، بل واتهمه بأنه ‘’سل في رئة الدولة’’.
منعوا عنه الراتب وظل يعاني المرض والإهمال خمسة أشهر. أشاع القصر العثماني أنه مات بسرطان في فكه بعد إجراء ثلاث عمليات فاشلة [12] ، بينما يؤكد آخرون بأنه مات مسموماً [13].
حضر وفاتــه خادمـــه، ولم يحضـــر جنازتــه سوى شخصين خوفاً من بطشــ السلطاــن وحمل نعشه أربعة مــن حمالي الأستانة في حراسة عدد من رجال البوليس والجواسيس.
أليست جنـــازته تليق بثائـــر؟. أيقظ الشــرق بملايينه الغفيرة وودعه من دون صحبة وبلا ضجيـــج، وكأنه غيفـــارا في غابات بوليفيا يحتضر وحيداً ليدفن في قبر مجهــول.
الهوامش
[1] لويس عوض؟ ‘’الإيراني الغامض’’ سلسلة حلقات منشورة في مجلة التضامن ابتداء من 26/4/.83
[2] الأعمال الكاملة لجمال الدين الأفغاني ص .296 ,295
[3] الأعمال الكاملة للإمام محمد عبده ج 2 ص 245 ,244
[4] الأعمال الكاملة لجمال الدين الأفغاني، إعداد د. محمد عمارة القاهرة؟ 1968؟ ص 537 وأيضاً خاطرات جمال الدين الأفغاني ؟ جمعها محمد المخزومي، دار الحقيقة، بيروت 1980 ص 16 - 18
[5] الدكتور حسن حنفي. جمال الدين الأفغاني ؟ الهيئة المصرية العامة للكتاب (1999) ص 30
[6] خاطرات جمال الدين الأفغاني؟ مصدر سابق ص 24
[7] الدكتور حسن حنفي - مصدر سابق ص 28
[8] الأعمال الكاملة لجمال الدين الأفغاني، مصدر سابق، ج 1 ص 41
[9] الدكتور حسن حنفي - مصدر سابق ص 28
[10] الدكتور حسن حنفي - مصدر سابق ص 27
[11] الأعمال الكاملة للأفغاني؟ المقدمة ص ,45 ص 46
[12] خاطرات - مصدر سابق ص 54 ؟ 58
[13] بلنت: ‘’الأفغاني ومحمـد عبده’’. ترجمة د. علي شلش ص 59 ؟ 60
كل هذه الأحوال خاطرات لا تسرني، وليس فيها أدنى قائدة للقوم’’ [4]. كان الشرق العربي والإسلامي وحدة جغرافية وسياسية ولم تكن هناك جنسيات ودول قومية. لعل الأفغاني باستهزائه ممن اهتموا بموطنه وجنسه وعشيرته يتمثل جوهر الإسلام في أنه لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى.
لم يترك الرجل موضعاً أو مكاناً في الأرض، يلائم دعوته، إلا وبذر فيه فكره الثوري ضد الاستعمار والاستبداد. ووصل الأمر بأحد الباحثين الثقاة أن يضع خريطة معقدة لرحلات السيد ‘’ جمال الدين [5]’’. لم تقتصر رحلاته المكوكية على بلاد المسلمين، بل ها هو يناضل في الهند ضد الإنجليز ويوجه نداءه الشهير إلى الهنود بأنهم لو كانوا ذباباً لطن آذان بريطانيا، ولو كانوا سلحفاة لخاضوا البحر وأغرقوا جزيرة بريطانيا، ولم يجيء السلطان الغزنوي باكياً يزرف الدمع بل فاتحاً شاهراً سلاحه [6]. فيتم نفيه إلى مصر. ثم ها هو يذهب إلى باريس ولندن وميونخ وروسيا يدعو إلى الحرية ومناهضة الاستبداد.
استدعاه الإنجليز من منفاه بالهند ليقترحوا عليه تتويجه سلطاناً على السودان لإخماد ثورة المهدي التي حرض عليها، فيرفض قائلاً مصر للمصريين والسودان متمم لها، وصاحب الحق فيها الخليفة، والأولى ببريطانيا إصلاح أيرلندا[7]. يقيم في باريس أكثر من ثلاث سنوات لينشر مقالاته في مجلة ‘’العروة الوثقى’’. يعيش في مدينة ‘’بطرسبرج’’ الروسية مدة عامين ويكتب مقالات ضد انجلترا واستعمارها ويحاول إقناع القيصر بإبرام حلف روسي ؟ تركي.
ولعل قصته مع القيصر خير دليل على دفاعه عن الديمقراطية. سأله القيصر عن سبب خلافه مع شاه إيران فقال الأفغاني ‘’إنه الحكومة الشورية، أدعو إليها ولا يراها الشاه’’ فقال القيصر ‘’الحق مع الشاه، فكيف يرضى ملك أن يتحكم فيه فلاحو مملكته ؟’’ فيرد جمال الدين ‘’أعتقد يا جلالة القيصر، أنه خير للملك أن تكون ملايين رعيته أصدقاء له من أن يكونوا أعداء يترقبون له الفرص [8]’’.
تتنوع أساليب الأفغاني في النضال، مع تغير الظروف والأمكنة والمراحل. لم يترك فرصة سانحة كي يحاول أن يؤثر في مراكز اتخـــاذ القرار السياسي إلا وانتهزها.
عمل وزيراً لدى محـــمد أعظـــم في كابول ووزيراً للحربيـــة ومستشاراَ خاصاً لشاه الفرس ناصـر الدين، ولم يعمر في تلك المناصب لاختلاف رؤيته الثوريــة مــع مصالح أولي الأمـر.
كان عالماً وفقيهاً بارزاً، رفض مشيخة الأستانة في عهد السلطان عبد الحميد. كان ‘’أبو الصحافة الثورية’’ في الشرق، ها هو مع تلميذيه الأمام محمد عبده وأديب إسحاق يصدرون جريدة ‘’العروة الوثقى’’ من باريس.
ثمانية عشر عدداً فقط هزت الشرق والدنيا قبل أن تتوقف. صودرت الجريدة في الهند ووضعت تحت الرقابة في مصر، ثم صدر قرار بمنع دخولها مصر بل وتغــريم من توجد لديــه نسخة منها من خمسة جنيهــات إلى خمسة وعشرين جنيها [9]. ولعلها كانت عقوبة عجيبــة لقــراء الصحــف آنــذاك.
في عصرنا الحالي، انتشرت تهمة ‘’الإرهاب’’ كي يطلقها الطغاة والمستعمرين على المطالبين بالحرية والاستقلال. اتهمه أعداؤه بالإرهاب. ادعوا تارة أنه اشترك في مؤامرة لاغتيال الخديوي إسماعيل من فوق كوبري قصر النيل، ومرة أخرى بأنه حرض على اغتيال الشاه ناصر الدين وهو يزور مشهد عبد العظيم بإيران بينما كان الأفغاني قابعاً في الأستانة. لم يكن الأفغاني إرهابياً على الإطلاق. كان صنعة الرجل الفكر والدعوة الثورية.
الإرهاب عمل فردي، لا يقدم ولا يؤخر. أما الثورة فهي حركة شعبية. كان الأفغاني من أنصار الثورة، أليست الثورة العرابية في مصر والثورة المهدية في السودان هي من نتاج تعاليمه. كيف يستقيم دفاع الأفغاني عن النظم النيابية والشورى والدستور مع اتهامه بالإرهاب؟.
يحفظ الجميع للثائر غيفارا قولته ‘’الثائر هو أول من يصحو وأول من يضحي، هو آخر من يأكل وآخر من ينام’’. قالها الأفغاني أكثر من مرة قبله بأكثر من مئة عام. عندما صدر أمر بنفيه من مصر إلى الهند، قابله بعض تلاميذه وعرضوا عليه المال فقال ‘’أنتم إلى هذا المال أحوج، والليث لا يعدم فريسة حيثما ذهب [10]’’. وعندما حاول السلطان العثماني عبد الحميد تقييد حريته وتزويجه ليحد من ثوريته، رفض الأفغاني قائلاً ‘’يريد السلطان أن أتزوج! مالي والزواج، إني ما تزوجت هذه الدنيا العظيمة الجميلة، فكيف أتزوج بامرأة [1]’’ !
كان عصياً على الترويض، فما لبث أن تهكم على السلطان عبد الحميد ‘’خلافة كبرى؟! وإمامة كبرى؟’’، بل واتهمه بأنه ‘’سل في رئة الدولة’’.
منعوا عنه الراتب وظل يعاني المرض والإهمال خمسة أشهر. أشاع القصر العثماني أنه مات بسرطان في فكه بعد إجراء ثلاث عمليات فاشلة [12] ، بينما يؤكد آخرون بأنه مات مسموماً [13].
حضر وفاتــه خادمـــه، ولم يحضـــر جنازتــه سوى شخصين خوفاً من بطشــ السلطاــن وحمل نعشه أربعة مــن حمالي الأستانة في حراسة عدد من رجال البوليس والجواسيس.
أليست جنـــازته تليق بثائـــر؟. أيقظ الشــرق بملايينه الغفيرة وودعه من دون صحبة وبلا ضجيـــج، وكأنه غيفـــارا في غابات بوليفيا يحتضر وحيداً ليدفن في قبر مجهــول.
الهوامش
[1] لويس عوض؟ ‘’الإيراني الغامض’’ سلسلة حلقات منشورة في مجلة التضامن ابتداء من 26/4/.83
[2] الأعمال الكاملة لجمال الدين الأفغاني ص .296 ,295
[3] الأعمال الكاملة للإمام محمد عبده ج 2 ص 245 ,244
[4] الأعمال الكاملة لجمال الدين الأفغاني، إعداد د. محمد عمارة القاهرة؟ 1968؟ ص 537 وأيضاً خاطرات جمال الدين الأفغاني ؟ جمعها محمد المخزومي، دار الحقيقة، بيروت 1980 ص 16 - 18
[5] الدكتور حسن حنفي. جمال الدين الأفغاني ؟ الهيئة المصرية العامة للكتاب (1999) ص 30
[6] خاطرات جمال الدين الأفغاني؟ مصدر سابق ص 24
[7] الدكتور حسن حنفي - مصدر سابق ص 28
[8] الأعمال الكاملة لجمال الدين الأفغاني، مصدر سابق، ج 1 ص 41
[9] الدكتور حسن حنفي - مصدر سابق ص 28
[10] الدكتور حسن حنفي - مصدر سابق ص 27
[11] الأعمال الكاملة للأفغاني؟ المقدمة ص ,45 ص 46
[12] خاطرات - مصدر سابق ص 54 ؟ 58
[13] بلنت: ‘’الأفغاني ومحمـد عبده’’. ترجمة د. علي شلش ص 59 ؟ 60
- 137 reads
