- الوقفةالثانيةلإتحاد المعلمين بالجيزة(يوم واحد)
- واجبات الشباب نحو المستقبل (يوم واحد)
المنيا نموذج لمصر
Submitted by EDITOR1 on الاثنين, 23/06/2008 - 01:15.
بقلم / ضياء رشوان
تتابع الأحداث والتطورات المؤسفة في مصر طوال الوقت بما لا يدع مجالاً للمصريين، ليس للاستمتاع بالحياة الطبيعية، بل بمجرد الاحتفاظ بهذه الحياة، وفي كل مرة لا يكاد المصريون ينتهون من واحد من تلك الأحداث المؤسفة، معتقدين أنه الأخير حتي يفاجئهم الحدث الجديد فيصيبهم بما أصابهم به سابقه من اضطراب ومعاناة وغرق في خضم توابعه وتفسيراته، انتظاراً لوقوع الحدث المؤسف التالي له.
علي هذه الشاكلة باتت تتابع أيام المصريين في السنوات الأخيرة، في ظل الحكومات المتوالية التي يشكلها النظام السياسي، خاصة حكومة الدكتور نظيف الحالية، وصولاً إلي الأزمات الكبري الأخيرة التي راحت تهدد بصورة جدية ما تبقي من استقرار المجتمع وتماسكه، سواء كانت الغلاء المتصاعد أو الفساد المستشري أو ما بات يسمي الأزمات الطائفية.
وبينما يعاني المصريون - أو غالبيتهم - من تلك الأزمات الكبري، تباينت فيما بينهم جمهوراً ونخبة زوايا النظر والتفسير لأسباب تلك الأحداث المؤسفة المتتابعة والأزمات المتلاحقة، وإن اجتمع غالبيتهم علي أن معظمها يعود إلي غياب الدولة بكل معاني سيادتها واحترامها وعدالتها بين مواطنيها.
ويشاء القدر أن تتأكد تلك المعاني الغائبة جميعها في أحداث مؤسفة متتابعة وقعت في واحدة من محافظات مصر، وهي المنيا، خلال الفترة القصيرة الأخيرة لكي تعطي نموذجاً واضحاً لما يجري في بقية أرجاء بر مصر.
ففي المنيا وقبل شهور وقعت مذبحة بني مزار التي قتلت فيها عدة أسر بريئة وهي نائمة في منازلها، واتهمت فيها الشرطة شخصاً واحداً، تبين بعد ذلك للمحكمة أنه ليس الجاني، وظل الباب من حينها مغلقاً أمام معرفة حقيقة ما جري.
وأشار كثير من الروايات والشهادات المحلية إلي أن جزءاً كبيراً مما جري ارتبط في الحقيقة بصراعات وطقوس دموية حول تجارة الآثار المسروقة، وهو الأمر الذي لم يظهر له أثر حتي اليوم في التوصل للجناة الحقيقيين.
وبدا واضحاً من تلك المذبحة وملابساتها، أن الغائب الوحيد عن تلك الوقائع بما وصلت إليه من إزهاق أرواح مواطنين أبرياء، هو الدولة التي هي صاحبة الحق الوحيد - نظرياً - في ملكية تلك الآثار التي راح قطاع من مواطنيها ينهبها ويبيعها، بل يقتل مواطنين آخرين من أجل الاستمرار في هذا التجارة غير المشروعة.
وكما غابت الدولة عن الدفاع عما فوضه لها المصريون من ملكية آثارهم التاريخية، بل عن حماية أرواح مواطنين أبرياء من إزهاقها علي يد تجار تلك الآثار، غابت أيضاً عن ذلك النزاع المسلح الذي نشب قبل أسبوعين حول دير أبوفانا في مركز ملوي بمحافظة المنيا نفسها. وهذه المرة، وعلي الرغم من كافة التفسيرات والأوجه الطائفية والدينية التي أصبغت علي تلك الصدامات المؤسفة، فإن الحقيقة تبدو واضحة: الطرفان أياً كان دين كل منهما،
يتصارعان حول الاستيلاء علي أراض مملوكة لهذه الدولة وكأنها غير موجودة ولا قادرة علي الدفاع عما فوضها المصريون في الحفاظ عليه. وليس هذا فقط، بل إن الدولة بدت في ذلك النزاع المؤسف - كعادتها في هذه النوعية من النزاعات - ضعيفة مترددة غير قادرة علي فرض القوانين الكثيرة التي سنتها وتمتلك فرضها بالقوة المشروعة علي جميع مواطنيها،
بما أعطي الفرصة لطرفي النزاع، خاصة ما يطلق عليه «المسيحي» لمنازعاتها في أخص شؤونها وهو سيادتها المطلقة علي مواطنيها في النزاعات الجنائية والمدنية، دون تدخل من أي هيئات أخري ذات طابع ديني، يخرج عن اختصاصها التدخل في مثل تلك الأمور.
وبينما تحتدم المواقف والتفسيرات حول أحداث ملوي المؤسفة، شهدت المنيا نفسها، وفي عديد من مراكزها الحادثة الثالثة التي أكدت غياب الدولة وضعفها والاهتزاز الشديد في مكانتها بين المصريين. فربما للمرة الأولي في التاريخ المعاصر لامتحانات الثانوية العامة بكل معانيها المهمة الواقعية والرمزية للمصريين، تأكد وقوع تسرب أسئلة الامتحانين الأولين منها في المنيا، وجري تصويرهما وتوزيعهما علي عدد غير معروف من الطلاب.
وبينما تجري التحقيقات حتي اليوم حول من سربوا تلك الامتحانات، يبدو واضحاً أن سيادة الدولة حتي علي موظفيها، وحتي علي هذه الشهادة المهمة التي تعد أحد المعاقل الأخيرة للمساواة بين المصريين، قد انهارت هي الأخري، تاركة وراءها الباب مفتوحاً علي مصراعيه لكل من يرغب، أو يستطيع أن يستولي علي أي مساحة تخليها الدولة من سيادتها الواقعية والرمزية.
الخلاصة واضحة، بالرغم من اختلاف نوعية تلك الأحداث والتطورات المؤسفة، وهي أننا وفي محافظة واحدة من محافظات مصر - وهي المنيا - شهدنا تجليات متنوعة لحقيقة واحدة وهي غياب الدولة وانهيار سيادتها علي مجتمعها ومواطنيها، فهل يختلف الحال كثيراً في بقية محافظات البلاد ومناطقها؟ الإجابة واضحة ولا تحتمل خلافاً: المنيا مجرد نموذج صغير لمأساة أكبر، تعاني منها مصر كلها
- 647 reads
( categories: )
